على صعيد كربلاء :
وانتهى موكب العترة الطاهرة التي تبنت حقوق المظلومين والمضطهدين إلى صعيد كربلا ، وقد تواكبت عليهم المحن والخطوب ، وألمت بهم الرزايا والكوارث ، وأيقنوا بالرزء القاصم ، فقد أحاطت بهم قوى البغي والعدوان وهي مصممة على إراقة دمائهم ، أو إخضاعهم إلى الذل والهوان ، ويأبى الله لهم ذلك .
ونظر الإمام الحسين عليه السلام إلى الفتية من أهل بيته وهم في نضارة العمر وريعان الشباب ، فأغرق في البكاء وراح يقول :
« اللهم انا عترة نبيك محمد ( ص ) قد أخرجنا ، وطردنا ، وأزعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أمية علينا ، اللهم فخذ لنا بحقنا ، وانصرنا على القوم الظالمين . . » .
ثم خاطب الأبطال من أهل بيته وأصحابه قائلا :
« الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون . . » « 1 » .
وحكت هذه الكلمات المشرقة الواقع العملي من حياة الناس في جميع مراحل التاريخ ، فهم عبيد الدنيا في كل زمان ومكان ، أما الدين ، فلا ظل له في أعماق قلوبهم ، فإذا دهمتهم الكوارث تنكروا له ، وابتعدوا عنه ، فكان حقا لعقا على ألسنتهم .
والتفت الإمام إلى أصحابه فقال لهم :
« أما بعد : فقد نزل بنا ما قد ترون ، وإن الدنيا قد تغيرت ، وتنكرت ، وادبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل « 2 » ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب
هامش
( 1 ) حياة الإمام الحسين 3 / 97 .
( 2 ) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله .