قال : قد أطلقت كلّما أخذ من هذه خلالة « 1 » فما فوقها كرامة لك ، ثم نادى في أصحابه : من أخذ شيئا فليردّه فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم ، ورجع إليّ جميع ما كان معي ثم بذرقنا « 2 » إلى المأمن فحرست أنا ومن كان معي ببركة ذلك القميص والمنشفة . فانظر إلى هذه المنقبة ما أعلاها وما أشرفها ، وقد يقف على هذه القصيدة بعض الناس ممّن يطالع هذا الكتاب ويقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة « بمدارس آيات » ويشتهي الوقوف عليها وينسبني إلى إعراضي عن ذكرها ، إمّا لأننّي لم أعرفها ، أو أننّي جهلت ميل النفوس حينئذ على الوقوف عليها ، فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس ، وأن أدفع عني هذا النقص المتطرّق إلى بعض الظنون فأوردت منها ما يناسب ذلك وهي هذه :
ذكرت محّل الربع « 3 » من عرفات * فأسبلت دمع العين بالعبرات
وقل عرى صبري وهاج صبابتي « 4 » * رسوم ديار أقفرت « 5 » وعرات « 6 »
هامش
( 1 ) الخلالة « بكسر الخاء المعجمة » : ما تخلّل به الأسنان .
( 2 ) بذرقة « كدحرجه » : أجاره وحماه وحرسه وأمّنه ، والبذرقة كأنّها معرّب « بدرقه » بالفارسية ، يقال : بعث السلطان بذرقة مع القافلة أي خفراء وحرّاسا .
( 3 ) الربع « بفتح الراء المهملة » : الدار والمحلّة والمنزل .
( 4 ) الصبابة « بفتح الصاد المهملة » : الشوق والولع الشديد .
( 5 ) أقفرت : خلت عن الناس والماء والكلاء .
( 6 ) الوعرات « بفتح الواو وكسر العين المهملة » : المكان الصعب والموحش .