وقال الطّبري : قصّة « 1 » كعب بن مالك أصل في هجران أهل المعاصي ، وقد استشكل كون هجر الفاسق والمبدع مشروعا ، ويشرع هجران الكافر ، وهو أشدّ جرما منهما ، لكونهما من أهل التوحيد في الجّملة .
وأجاب ابن بطال « 2 » بأنّ للّه تعالى أحكاما فيها مصالح للعباد وهو أعلم بشأنها ، وعليهم التّسليم لأمره فيها ، فيحتجّ إلى أنّه تعبّد لا يعقل معناه .
وأجاب غيره بأنّ الهجران قلبيّ ولسانيّ ، فهجر الكافر بالقلب ، وكذا بترك التودد والتعاون والتّناصر ، لا سيما إذا كان جريئا ، وإنّما لم يشرّع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه به عن كفره ، بخلاف العاصي المسلم فانّه ينزجر بذلك غالبا . وفي الصّحيح - أيضا - قول عائشة رضي اللّه عنها :
( عليّ نذر ألّا أكلّم ابن الزبير أبدا ) « 3 » . قال ابن عبد البر « 4 » : التقدير : عليّ نذر إن كلمته إنتهى .
هامش
( 1 ) ينظر تاريخ الطبري 3 / 103 - 111 .
( 2 ) هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال ، من علماء الحديث اندلسي من أهل قرطبة ، له شرح صحيح البخاري ، توفي سنة ( 449 ه ) . ترجمته في شذرات الذهب 3 / 283 ، الاعلام 5 / 96 .
( 3 ) صحيح البخاري 8 / 25 ، وفيه : ( للّه علي نذر ألّا اكلّم ابن الزبير ابدا ) .
( 4 ) كذا في الأصل ، ( م ) ، وفي ( ب ) : ( ابن التين ) ، وهو خطأ .