وانقشاع سحب الغفلة ، وإشراق شمس البصيرة ، فلا يدعهم تقواهم للاصرار على معصية مولاهم ، بل ربّما كان حالهم بعد المخالفة أتمّ من حالهم قبلها ، لعظيم ما ينشأ عن ذلك من الذّلّة والانكسار ، وعظيم الخضوع والالتجاء للمولى عزّ وجلّ ، وذلك هو الحكمة في جريان المخالفة [ 28 ظ ] عليهم كما أشار إليه بعض العارفين ، وقد قال تعالى :
( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )
« 1 » ، فأفهم أنّهم قد يدخلون في الظّلمات ، ولكنّ اللّه لولايته إيّاهم يتولى إخراجهم كما قال في الآية الأخرى :
( وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ
الآية ) « 2 » . وهو مسوق مساق المدح لهم . وعن هذا قال بعض العارفين : من سبقت له العناية لم تضرّه الجناية ، وأمّا من يصرّ على الذّنوب الظّاهرة والباطنة فلم يمازج العلم منه الجنّان ، وإن حصل منه على لقلقة اللّسان ، وهو المضروب له المثل بقوله تعالى :
( كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
« 3 » ، وهو المعني بحديث أسامة بن زيد مرفوعا : ( يجاء بالرّجل يوم القيامة فيلقى في النّار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه ، فيجتمع أهل النّار عليه
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية : 257 .
( 2 ) سورة آل عمران الآية : 135 .
( 3 ) سورة الجمعة الآية : 5 .