تنتابها العواسل « 1 » وتعفرها أمّهات الفراعل « 2 » . ولئن اتّخذتنا مغنما ، لتجدن وشيكا مغرما ، حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك ، وما ربّك بظلّام للعبيد ، وإلى اللّه المشتكى وعليه المعوّل . فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فو اللّه لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، وهل رأيت إلّا فندا « 3 » ، وأيامك إلّا عددا ، وجمعك إلّا بددا ، يوم ينادي المنادي : ألا لعنة اللّه على الظالمين . فالحمد للّه رب العالمين الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، نسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل » . لم يستطع يزيد بن معاوية ، مع ما هو عليه من سلطان وملك وهيبة يخشاها أكثر الناس أن يقاطع العقيلة السيدة زينب رضي اللّه تعالى عنها ، أو أن يمنعها من الاستمرار في الكلام - رغم أنّه من لاذع القول وشديد التقريع - مع علم السيدة زينب أنّها في ذلّة الأسر ، وأنّها كانت دامية القلب ، باكية الطرف ، ممّا مرّ بها من أحداث جسام . إنّه لموقف عظيم لا يحتاج إلى برهان للتدليل على شجاعتها رضي اللّه تعالى عنها ، وعلى قوّة حجّتها ، إذ مثّلت في موقفها هذا الحق تمثيلا صحيحا ، وأضاءت إلى طلّاب المعرفة والحقيقة سبيلا واضحا . إلّا أن يزيد بن معاوية أراد أن يخرج من هذا المأزق الذي وقع فيه ، والحرج الشديد الذي أصابه من افتضاح حقيقة أمره ، فلم يستطع أن ينطق بغير هذه الكلمة :
أهل البيت في مصر — صفحة 172
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص١٧٢
يا صيحة تحمد من صوائح * ما أهون النوح على النواح
ثم أمر ، فأخرج النساء وأدخلن دور يزيد ، فلم تبق امرأة من آل يزيد إلّا أتتهن ،
هامش
( 1 ) . العواسل : الذئاب .
( 2 ) . الفراعل : الضباع .
( 3 ) . أي : كذبا .