فلمّا فرغوا من الأكل جاء إنسان إلى الشيخ ، وقال : يا سيدي ، نذرت للفقراء كذا وكذا من الحبّ فأخذه الحرامية . وجاء آخر أيضا ، وقال : نذرت للفقراء ثورا فنهب . فقال لهم الشيخ : قد وصل إلى الفقراء متاعهم .
وقال لصاحب الثور : تعرف ثورك إذا رأيت رأسه ، قال : نعم .
فأمر الفقراء بإحضاره ، فلما رآه قال هذا رأس ثوري بعينه ، فبقي الفقهاء يضربون يدا على يد ندما على ترك مرافقة الفقراء .
ومن اطلاع اللّه تعالى لهم على ما يشاء في الحوادث قبل وقوعها :
ما روي سندا في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر : قال بعض أصحابه :
كنت أشتغل على سيدي الشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني ، وكنت أسهر أكثر الليل أترقّب حاجته ، فخرج من داره ليلة ، فناولته إبريقا فلم يأخذه ، وقصد باب المدرسة ، فانفتح له الباب ، فخرج وخرجت خلفه ، ومشى إلى أن قرب من باب بغداد ، فانفتح له الباب ، فخرج وخرجت معه ثم عاد الباب مغلقا ، ومشى غير بعيد ، فإذا نحن في بلد لا أعرفه ، فدخل فيه مكانا شبيها بالرباط ، وإذا فيه ستة نفر فبادروا إلى السّلام عليه ، والتجأت إلى سارية هناك ، وسمعت من جانب ذلك المكان أنينا فلم نلبث إلا يسيرا حتى سكت الأنين .
ودخل رجل وذهب إلى الجهة التي سمعت منها الأنين ، ثم خرج يحمل شخصا على عاتقه ، ودخل آخر مكشوف الرأس طويل شعر الشارب ، وجلس بين يدي الشيخ فأخذ عليه الشهادتين ، وقصّ شعر رأسه وشاربه وألبسه طاقية ، وسمّاه محمدا ، وقال لأولئك النفر : قد أمرت أن يكون هذا بدلا عن الميت .
فقالوا : سمعا وطاعة . ثم خرج الشيخ وتركهم وخرجت خلفه ، ومشينا غير بعيد ، وإذا نحن عند باب بغداد ، فانفتح كأوّل مرة ، ثم أتى إلى المدرسة ، فانفتح بابها أيضا ، ودخل داره ، فلمّا كان الغد جلست بين يديه أقرأ على عادتي فلم أستطع من هيبته ، فقال لي : أي بنيّ اقرأ ولا عليك .
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها — صفحة 196
مساهمون: ابن سبعين
ص١٩٦