نظرة في التعصّب المذهبي :
وقد رأينا كيف تغلّبت روح التعصّب المذهبي الشديد ، كما تغلّبت الفكرة القائلة بتحريم تقليد غير المذاهب الأربعة . وتطورت الدعوة إلى ذلك بصورة واسعة وأخذ نشاطها يزداد حتى جعل من قلّد غير هذه المذاهب خارجا عن الدّين . فكان هناك نزاع واحتدام وتعصّب حتى بين معتنقيها ، أدّى إلى معارك دامية ، واتّهام البعض للبعض الآخر وتكفير قوم لآخرين ، حتى قال قائل الحنفية : لو كان لي الأمر لأخذت الجزية من الشافعية « 1 » . وأصبح كل يحتكر الإيمان باللّه والتصديق بنبيّه لأبناء مذهبه . وأن الجنّة وقف عليهم ولا نصيب لأحد فيها معهم ، خلافا لما جاء به النبي ( ص ) وخروجا على تعاليم الإسلام حتى قال أحد الحنابلة : إنه من لم يكن حنبليا فليس بمسلم . وقد اندفع المتطرّفون من معتنقي المذاهب الأربعة لبذل جهدهم في جعل رئيس مذهبهم هو المؤسّس لعلوم الإسلام ، والمرجع الأعلى للتشريع ، وأن العلم مقصور عليه ، والاجتهاد لا يليق إلّا به . وقد استنفدوا كل إمكانياتهم في تصويره بصورة لا تشبهها صورة ( فهو ملك بصورة البشر ) « 2 » وتمسّكوا بأقوال أئمتهم تمسّكا جعلهم يقدّمونها على كتاب اللّه وسنّة رسوله « 3 » فكان يقال لهم : قال رسول اللّه فيقولون : قال فلان « 4 » - أي رئيس المذهب - ويأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم « 5 » . وعلى أي حال فإن تلك الاتجاهات التي سار عليها المتعصّبون للمذاهب ، قد استولت على كثير من أتباعها ، وقد يكون ذلك نتيجة للظروف التي مرّت بها الأمة الإسلامية ، من تدخّل عناصر خارجة عن الإسلام ، لتشويه سمعة المسلمين والإساءة إلى المجتمع ، من بث روح الفرقة وإثارة الشغب ، ومن المؤسف أن نجد البعض ( قدمهم على الأنبياء عند تعارض كلامهم - أي أئمة المذاهب - مع الحديث الصحيح ،