كقوله في الصفحة الرابعة : وصل من النهار اثني عشر ركعة واقرأ فيهن ما أحببت إن شئت صلهن جميعا وإن شئت متفرقات ، وقوله : وصم ثلاثة أيام من كل شهر ، ويتعرض للغسل في الحمام وسائر المستحبات ، وقوله في الصفحة السابعة : أقلل طلب الحوائج من الناس فإن في ذلك غضاضة ، وبلغني عن النبي أنه قال لرجل : لا تسأل الناس . ومثل هذا كيف يخاطب به الملوك ؟ ويقول : لتكن يدك العليا على كل من خالطت ، فإنه بلغني عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : اليد العليا خير من اليد السفلى . ثم يتعرض إلى سنن الأكل والشرب واستحباب الجلوس في المسجد ، إلى غير ذلك من الأمور التي تدل بكل وضوح على أن الرسالة منتحلة ولا أصل لها ، ويقرأها الوعاظ والمرشدون .
ومهما يكن من أمر فإن عصر مالك اشتد فيه الوضع المؤلم والجور على الرعية ولم يرد عن مالك - مع عظمته ونفوذ سلطته - ما يدل على إنكاره لتلك الأوضاع .
وكان العباسيون يعتمدون على ما يفتي به مالك ، حتى حملوا الناس على الأخذ بأقواله ومناديهم ينادي : ألّا يفتي إلا مالك .
ولما قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة 184 ه - فأكرمه الرشيد وأظهر بره . وقال له الرشيد : من كان من فقهائكم يكره السماع ؟ قال : من ربطه اللّه . قال :
فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء ؟ قال : لا واللّه إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع ، وهم يومئذ جلة ومالك أقلهم في فقهه وقدره ، ومعهم دفوف ومعازف وعيدان يغنون ويلعبون ، ومع مالك دف مربع وهو يغنيهم :
سليما أجمعت بينا * فأين لقاؤها أينا
وقد قالت لأتراب * لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب ل * نا العيش تعالينا
« 1 » وكان المنصور يعظمه ويوجه الأنظار إليه ، ويعلن بأن مالكا هو أعلم الناس ، كما أن مالكا يعلن بأن المنصور أعلم الناس بالكتاب والسنة .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد ج 6 ص 84 .