والصحيح في ذلك وإن اختلفت الأقوال فيه أن سبب ضربه بالسياط هو فتواه بما لا يوافق غرض السلطة بأي صورة كان وبأي سبب حصل ، وذلك في زمن ولاية جعفر بن سليمان سنة 146 ه - ، فإنه جرد مالكا ومده وضربه بالسياط حتى انخلعت كتفاه ، وقيل : إن المنصور قد نهى مالكا عن الحديث ( ليس على مستكره طلاق ) ثم دس إليه من يسأله عنه ، فحدث به مالك ، فضربه بالسياط « 1 » حتى انخلع كتفه . قال إبراهيم بن حماد : كنت أنظر إلى مالك إذ أقيم من مجلسه حمل يده اليمنى أو يده اليسرى بالأخرى . كما أن مالكا قد تظاهر بالدعوى لمحمد بن عبد اللّه ذي النفس الزكية . وبالجملة فإنه إلى حدود سنة 146 ه - هو في دوره الأول ، ثم انتقل بعد ذلك إلى دور الحفاوة والتجلة .
مع المنصور :
لمالك مع المنصور أخبار كثيرة ، منها قبل اتصاله الوثيق به . ومنها بعد ذلك . ونأتي بالبعض من الطرفين في ذلك : دخل عبد اللّه بن طاوس اليماني « 2 » على المنصور ، ومعه مالك بن أنس ، فقال المنصور : حدثني عن أبيك . قال حدثني أبي : أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في سلطانه ، فأدخل عليه الجور في حكمه . فأمسك المنصور . قال مالك : فضممت ثيابي خوفا من أن يصيبني دمه . ثم قال المنصور ناولني الدواة . فلم يفعل ، فقال : لم لا تناولني الدواة ؟ فقال : أخاف أن تكتب بها معصية . قال المنصور : قوما عني . قال عبد اللّه : ذلك ما كنا نبغيه . قال : مالك فما زلت أعرف فضله « 3 » .