تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
دخل على الإمام الصادق قوم من أهل الكوفة في مرضه الذي توفي فيه فسألوه أن ينصب لهم رجلا يرجعون إليه في أمر دينهم فقال : عليكم بقول أهل المدينة فإنها تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد ، عليكم بآثار من مضى ، فإني أعلمكم أني متبع غير مبتدع ، عليكم بفقه أهل الحجاز عليكم بالميمون المبارك في الإسلام المتبع آثار رسول اللّه ، فقد امتحنته فوجدته فقيها فاضلا ، متبعا مريدا لا يميل به الهوى ، ولا تزدريه الحاجة ، ولا يروي إلا عن أهل الفضل من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإن اتبعتموه أخذتم بحظكم من الإسلام ، وإن خالفتموه ضللتم وهلكتم ، فإنه قد أخذ عني كل ما يحتاج إليه فلا يميل بكم الهوى فتهلكوا ، أي أحذركم عذاب اللّه يوم القيامة
يَوْم لا يَنْفَع مال ولا بَنُون . إِلَّا مَن أَتَى اللَّه بِقَلْب سَلِيم

[ الشعراء : 88 و 89 ] ، أحذركم فقد أرشدتكم إلى رجل نصبته لكم فإنه أمين مولود في زمانه . قالوا : من هو بينه لنا ؟ قال : ( ذلك مالك بن أنس ) عليكم بقول مالك « 1 » . هكذا قال الزواوي ، وهكذا نقل . ولا أقول إنه هو الذي وضعها أو افتعلها ولكنه ناقل عن غيره ، ونحن لا ننكر أثر الخلافات التي حصلت بين الطوائف ، ووجود قوة عاملة على إيجاد الخلاف وإيقاد نار الفرقة ، فأصبح كل يذهب لتأييد مذهبه بشتى الوسائل والاجتهاد في تحصيل ما ينال به الظفر على خصمه ، وأي ظفر أعظم من الحصول على شهادة أعظم شخصية علمية كان مالك يسارع لاستماع حديثه ويغتنم فرصة الحضور عنده ، ويتلقى تعاليمه في مدرسته كما مر بيانه . تلك هي شخصية الإمام الصادق الذي ترأس أعظم مدرسة إسلامية شهدها التشريع الإسلامي ، وبقيت آثاره مفخرة الدهر وحديث الأجيال ، فكانت أقواله تؤخذ بالقبول والاعتبار ، فقوله مسموح وحكمه نافذ . لذلك نرى كثيرا من الأقوال تنسب إليه طلبا لتأييد رأي أو ثبوت حكم ، وقد حققها المنقبون من متبعي آثاره والذين يرجعون إليه في أخذ الأحكام الشرعية . ومن هذا القبيل تلك الافتعالات التي انتحلها أصحاب المذاهب ، وقد سبق للحنفية مثل ذلك في مدح أبي حنيفة كما مر بيانه في رواية أبي البختري وهذه المنقبة

هامش
( 1 ) انظر مناقب مالك ص 10 .