ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة ، واليوم خلفاء ، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة « 1 » . ووقفت في طريقه - يوم دخل المدينة - ابنة صغيرة لعبد اللّه بن الحسن وهي تستعطفه وتطلب منه الرحمة والإشفاق ، عندما يقع نظره عليها وهي بتلك الحالة وتخاطبه برقة واستعطاف :
ارحم كبيرا سنه متهدم * في السجن بين سلاسل وقيود
إن جدت بالرحم القريبة بيننا * ما جدكم من جدنا ببعيد
وكانت تأمل إطلاق أسيرها رحمة بحالها ، ولكن المنصور عندما سمع صوتها قال : أذكرتنيه ثم أمر به فأحدر بالمطبق وضيق عليه سجنه وكان السجن خاتمة مطاف ذلك الأسير ونهاية حياته .
ورغم هذه الأعمال وما اتضح للناس من سوء السيرة والإجحاف بحقوق الرعية ، فقد كان يحاول أن يصبغ الدولة بصبغة دينية ، وأنه الوارث الشرعي لهذا الحق ، وهو القائم بالعدل .
كان المنصور يطارد العلماء الذين يأمرونه بالمعروف وينكرون أعماله ، ويقرب آخرين ممن خضع لغير الحق .
وكان يريق دماء أبناء رسول اللّه ويملأ السجون منهم ، بينما نراه يحتفظ بحصيرة بالية قد مرت عليها السنون ، يدعي بأنها كانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فيتبرك بها أمام الناس ، وجعل لها موضعا خاصا ، وخادما يحتفظ بها يحملها أوقات الصلاة أمام الناس ليظهر لهم أنه محافظ على آثار النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تمويها وخداعا .
وكان يطلب من الزهاد والوعاظ أن يعظوه بمجلسه ، فيرق عند سماع الوعظ ويبكي ، ولكنه بدون اتعاظ ، وتجري دموعه ولكن بدون خشوع وإنما هو من باب :
كف تذبح وأخرى تسبح ، إلى غير ذلك من الأمور التي كان يفعلها إغراء للناس ليغطي أعماله التي ارتكبها .
وسار على ذلك أحفاده ووضعت في دولتهم بشائر عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليكون لهم في
هامش
( 1 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي 104 .