أمامه ينادي هكذا تكون جنائز أهل السنة ، ولما وضع على المغتسل دخل الرجال عليه يقبلونه وينوحون عليه ، ثم أذن للنساء ففعلن مثل ذلك « 1 » وأقيمت عليه المآتم ودامت النياحة ورثاه خلق كثير منهم شمس الدين الذهبي وغيره « 2 » . ويموت أحمد بن السلطان ملك شاه سنة 481 ه - فيمكث الناس ينوحون عليه سبعة أيام ولم يركب أحد فرسا والنساء ينحن عليه في الأسواق ، وسوّد أهل البلاد أبو ابهم . ويموت شيخ الحرمين فتطوف تلامذته في الشوارع ينوحون عليه نوح النساء وكسروا المحابر وأقاموا النياحة عليه سنة كاملة « 3 » . وأبو عمر الحنبلي المتوفى سنة 607 ه - يعظم عليه البكاء والعويل ويتناوحون عليه رجالا ونساء ، وغسل في المسجد ، ونشف ماء غسله بخمر النساء ، وعمائم الرجال - للتبرك طبعا - ويتسابقون إلى تمزيق كفنه يتبركون به ، وكادت تبدو عورته ، لولا محافظة الدولة على كرامته . فدفعت الناس عنه بالسيف . قال ابن العماد : ولولا الدولة لما وصل من كفنه إلى قبره شيء « 4 » . وتخرج النساء يوم وفاة المسترشد العباسي سنة 529 ه - ينحن عليه ويلطمن وهن منشرات الشعور ينشدن المراثي في الطرقات ، أما الرجال فشاركوهن بالنياحة وزادوا بأن شقوا الثياب عليه « 5 » . وغير هؤلاء ممن يطول بنا الحديث عنهم وما حدث من مظاهر الحزن والأسى يوم وفاتهم وبعده . والعزاء أو البكاء من الحالات الإنسانية التي تظهر العطف وتبين ما في دواخل المرء من مشاعر وهي تتناسب عكسيا مع القسوة والغلظة ، وإنما تناولنا مظاهرها في خلال الفترة التاريخية التي أصبح فيها القضاء والفتوى تبعا لأهواء الحكّام الذين يسمحون بذلك لأن المتوفين لا يمثلون في شخصياتهم رموزا تهدد أركان
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 216
مساهمون: اسد حيدر
ص٢١٦
هامش
( 1 ) تاريخ ابن كثير ج 14 ص 138 .
( 2 ) العقود الدرية في مناقب ابن تيمية ص 399 .
( 3 ) طبقات الشافعية ج 3 ص 259 .
( 4 ) شذرات الذهب ج 3 ص 30 .
( 5 ) تاريخ دول الإسلام للذهبي ج 1 ص 182 .