تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
لنهاية مشهد الكافرين الذي ظلموا أنفسهم بكفرهم ، فاستحقّوا هذه النهاية . كما أنّ الفاصلة متناسقة مع الجوّ العام للمشهد ، الذي يرسم نهاية الطوفان في السماء ، والأرض ، والسفينة والكافرين ، كما أنّها مناسبة للإيقاع الموسيقى العام في الآيات ، بكلّ ما فيه من تموّج عميق وواسع مرسوم بالخطوط والمسافات والأبعاد من خلال تكوين الحروف ، وجرس الكلمات ، ونظم الجمل ، والسياق العام للمشهد . فالإيقاع يعلو ويهبط ، متناسقا مع حركة المشهد في علوّ المياه وهبوطها ، ونزول الأمطار وهطولها وارتفاع الأمواج ، وانخفاضه ، وارتفاع السفينة وانخفاضها أيضا ، ولكن الإيقاع المتموّج يتدفّق نحو الفاصلة ، فيرطمها ، وبعد حركة الارتطام بها ، يتوقف عندها في سكون وهدوء ، في حركة متسقة مع حركة المياه الهائجة في الطوفان المدمّر ، وهذا ما نلاحظه في الفاصلة الأولى حيث طمّهم الطوفان وغيّبهم وحوّل حركتهم إلى سكون دائم ، وكذلك في فاصلة الظالمين والمغرقين . فالفاصلة متّسقة مع المعنى العام للجوّ المصوّر ، كما أنّها مرتبطة بحركة الإيقاع الموسيقى في الصورة ، فتؤدي دورها في التصوير ، كما أدّته في التعبير أيضا . وترتبط الصورة أيضا ب « الحركة » بالإضافة إلى الإيقاع الموسيقى . والحركة من مقوّمات الصورة ، وسمة من سماتها ، وهي ملحوظة في تصوير المعاني الذهنية ، والحالات النفسية ، وفي التصوير القصصي ، والأمثال ، والحوادث ، ومشاهد القيامة . ففي الحركة يتجلى الجمال الصوتي ، والجمال البصري معا ، وقد تميّزت الصورة القرآنية بذلك ، فهي تحيل المعاني الذهنية ، والمشاهد والانفعالات النفسية إلى مشاهد حيّة ، متحركة متجددة ، وكأنّها أشخاص يتحركون ويتكلمون ، وليست صورا فنية مرسومة بألفاظ وكلمات ، وذلك ليزداد التفاعل النفسي مع المشاهد المصوّرة ، والمعاني ، والحالات النفسية ، حتى يظنّ القارئ أنّها الحياة التي يعيشها بكلّ ما فيها من حركة وأشخاص وحوار ، حتى المشاهد الكونية الصامتة يخلع عليها صفة الحياة والحركة فتصوّر حية ناطقة مشخّصة . يقول تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
فصلت : 11 . إنّ الحركة هي مظهر من مظاهر الحياة والكون ، وهي سمة من سمات الصورة في القرآن الكريم ، فهي مظهر كوني كما أنّها مظهر فني ، من هنا نلاحظ تأثيرها في النفس الإنسانية .