ففي جامع الترمذي وغيره عن يعلى بن مالك أنه سأل أمّ سلمة رضي اللّه عنها عن قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا هي تنعت أي تصف قراءة مفسّرة حرفا حرفا . وقالت عائشة رضي اللّه عنها : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ السورة حتى تكون أطول من أطول منها » اه . وذكر بعض شراح الجزرية أن الترتيل نوع من التحقيق عند الأكثرين ؛ فكل تحقيق ترتيل ، ولا عكس ، وفرّق بعضهم بينهما بأن التحقيق يكون للرياضة والتعليم ، وبأن الترتيل يكون للتدبر والتفكّر والاستنباط .
وزاد بعضهم في أنواع القراءة « الزمزمة » ؛ قاله أبو معشر الطبري في التلخيص : وهو ضرب من الحدر ؛ قال : الزمزمة القراءة في النّفس خاصة .
ولا بد في هذه الأنواع كلها من التجويد . [ اه شرح نونية السخاوي ] .
تتمة :
اختلف العلماء رضي اللّه عنهم في الأفضل : هل هو الترتيل مع قلة القراءة ، أو السرعة مع كثرة القراءة ؟ فذهب بعضهم إلى الثاني تمسكا بما رواه ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قرأ حرفا من كتاب اللّه تعالى فله حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها » الحديث رواه الترمذي وصححه ورواه غيره : « بكل حرف عشر حسنات » قال الشيخ ابن الجزري رحمه اللّه تعالى في النشر : « والصحيح ، بل الصواب ، ما عليه معظم السلف والخلف وهو أن الترتيل والتدوير مع قلّة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها ؛ لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقّه فيه والعمل به ، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى فهم معانيه ، وقد جاء ذلك منصوصا عن ابن مسعود وابن عباس رضي اللّه عنهم . وسئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة ، والآخر البقرة وآل عمران في الصلاة ، وركوعهما وسجودهما واحد ، أيهما أفضل ؟ فقال : الذي قرأ البقرة وحدها أفضل . ثم قال ابن الجزري رحمه اللّه تعالى : وأحسن بعض أئمتنا رحمه اللّه تعالى فقال : إن ثواب قراءة الترتيل والتدوير أجلّ وأرفع قدرا ، وإن كان ثواب كثرة القراءة أكثر عددا ؛ فالأول كمن تصدّق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة ، والثاني من تصدّق بعدد كثير من الدنانير ، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة . وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى : اعلم أن الترتيل مستحبّ لا لمجرد التدبر ؛ فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحبّ له أيضا في القراءة الترتيل والتؤدة ؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام ، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال ؛ لما روي عن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : « شرّ السير الحقحقة » أي السفر في أوّل الليل « وشرّ القراءة الهذرمة » أي السرعة فيها . [ اه شرح الشيخ حجازي والبركوي على الدر اليتيم ] .