التي يمنع فيها الحرب وإراقة الدماء . وكيف أن الرسول قد حضر هذه المعارك رفقة أعمامه ، وكان يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها « 1 » .
وهنا يورد « موير » نتيجة غريبة لا تتفق وأخلاق الرسول عندما ذكر أن محمدا لم يتميز في أي فترة من حياته بالشجاعة الشخصية والجرأة الحربية « 2 » .
ولكن الرسول تعلم من سوق عكاظ الخطابة والبلاغة . فكان يحضر هذه المواسم التي يتبارى فيها الخطباء والشعراء فيمدحون قبائلهم ، ويبرزون فضائلها ، ويهجون أعداءهم ، ويظهرون مثالبهم ، وفي هذه المناسبات اشتد إيمان الرسول بوطنه ، وتعلم من أولئك الشعراء الخطباء فنّ الشعر وسحر البيان « 3 » . ولم يقتصر تعلم محمد في هذه المواسم على الشعر والخطابة ولكنه تعداهما إلى التعرف بالديانة المسيحية المتمثلة في بعض معتنقيها الذين يؤمون هذه المناسبات والأماكن ويلقون فيها مواعظهم وخطاباتهم . وقد تأثر الرسول جليّا بخطبة « قس بن ساعدة الأيادي » الذي حرّك وجدانه ووجّهه إلى عوالم أخرى كانت مجهولة لديه . وكما تعرّف محمد إلى مبادئ الديانة المسيحية تعرّف كذلك إلى الديانة اليهودية والتي لا يشك « موير » في أثرها في تفكيره في قادم الأيام . ويسرد « موير » في صفحات طويلة تأثير محمد العقلي والديني . وهو أمر ناقشناه ودحضنا حججه في مباحث سابقة ، كما أبطلنا تأثّره بالحركة الحنيفية التي قادته كما يقول « موير » إلى الوحدانية التي أعجب بها بعد استماعه لخطب ومواعظ قس بن ساعدة الأيادي وأضرابه « 4 » .
وهكذا مرت مرحلة شباب محمد دونما حوادث تذكر سوى حضوره حلف الفضول الذي أعجب به والذي كان يشيد بذكره حتى أواخر أيامه « 5 » . وقد اشتغل الرسول إبّان هذه الفترة برعي الغنم لأهل مكة . وقد أشار إلى عمله هذا وهو بالمدينة قائلا : « ما من رسول إلّا ورعى الغنم » شأنه في ذلك شأن موسى وداود . وقد فعل ذلك لمساعدة عمه أبي طالب الذي كان يئن بثقل عائلته وفقر ذات يده . وقد طورت فيه هذه
هامش
( 1 ) الواقدي ، كتاب الواقدي ، ص 29 رواه موير في كتابه « حياة محمد » بالإنجليزية ، هامش ص 37 .
( 2 )Muir ( W . ) Life of Mahomet , V . II , op . cit , p . 6 .( 3 )Ibid , op . cit , p . 7 .( 4 )Ibid , p . 7 .( 5 )Ibid , op . cit , p . 9 .