يصل « رودنسون » إلى نتيجة علمية مفادها أن محمدا لم يكن كاهنا ، لأنه لا يجد الجمال التائهة ، ولا يفسر الأحلام ، ولم يلعب دور الرائي الذي يقدم النصائح والإرشادات لتلك القبيلة أو لذلك الأمير . وهو دور لا بأس به في هذه البيئة . وكان يمكنه الاندماج في الإطار الاجتماعي والعقلي لمجتمعه العربي لخصاله الجسدية السامية ، ولكنه كان يبحث دوما عن تجاوزها دون أن يدري . فقد بقي تاجرا عاديّا مثاليّا ، وأبا حنونا ، عاقلا نصوحا ، ولكنه كان يبحث دوما « عن الحقيقة » ويستخبر عنها ويفكر مليّا وشيئا فشيئا قادته روحه إلى السير قدما إلى الأمام على الطريق الذي قاده إلى تجاوز أفق بلاده وزمانه .
لقد نظر الرسول - كما يقول رودنسون - في هذه الفترة من حياته إلى المشاكل والقضايا المثارة حوله بمنظار ديني . فهذه الحرب قد اندلعت من جديد بين القوتين العظميين في ذلك الزمان ، واتخذ النزاع منحّى جديدا لم يكن في الحسبان . لقد عادت الحرب جذعة بين بيزنطة وفارس .
لقد رأينا كيف هاجم « كسرى أنو شروان » الإمبراطورية البيزنطية في عهد حاكمها « جستنيان » فاشتبك معها في حروب مريرة استطاع بها توسيع حدود بلاده الشرقية ، وهو الذي أرسل الحملة الفارسية على اليمن لطرد الأحباش منها وهم حلفاء غريمته بيزنطة .
ولم يتوان حفيده « كسرى أبرويز » في اتباع سياسة جده العسكرية ضد بيزنطة فاستولى على الشام ، ودخلت قواته القدس عام 614 ميلادية . ثم استولى على مصر في حملة عسكرية باهرة ، ولكن ابنه دبر انقلابا عسكريا ضده فخلعه من عرضه ، فانتهز الروم هذه الفرصة واستطاعوا استرداد أراضيهم التي استولى عليها الفرس بل وأكثر منها .
إن الهزائم العسكرية المريرة التي منّي بها الروم كان في عهد القيصر « هرقل » .
ففي عهده استولى الفرس على الشام ومصر . ولكنه ما لبث أن نظم هذا الإمبراطور أمره ، وحزم رأيه واشتبك مع الفرس في قتال ضار استطاع أن يحقق من خلاله انتصارات عظيمة ، ثم ابتسم له الحظ عندما قتل « كسرى أبرويز » بيد ابنه « شيرويه » فعقدا صلحا تنازل بموجبه الفرس عن كل ما حققوه من مكاسب وانحسروا إلى حدودهم القديمة « 1 » .
هامش
( 1 ) بتصرف كبير .Ibid , op . cit , pp . 83 - 85 .