تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
ولكي يغيّر القرآن من هذا الوضع الظالم فقد ابتدأ في تناول موضوع الميراث بتوجيه نداء ذي طابع خلقي يأمر فيه من قربت منيّته بالوصية إلى الوالدين والأقربين بالمعروف . وهذا النداء الخلقي يعتبره « كولسون » خروجا واضحا عن النظام السابق للإرث . ثم تشير آيات المواريث إلى الاعتراف بحق النساء في الميراث ، وهو تحوّل خطير قدّمه الإسلام للحياة الاجتماعية في مجتمع تبنى فيه الصلات بين أفراده على علاقة الدم إلى مجتمع يتأسس على عقيدة دينية مشتركة . وبعد ذلك التوجيه الخلقي العام حتّمت الظروف فيما بعد الانتقال إلى قواعد أكثر ضبطا للوقائع العملية ، وذلك عندما تتابع نزول الآيات بعد استشهاد العديد من الصحابة في الحروب التي خاضوا غمارها ، لتقرر أنصباء المستحقين من الأقارب وتعين ذوي الفروض منهم على وجه الحصر « 1 » . ويحاول « كولسون » قدر جهده البرهنة على أن الآيات القرآنية المشتملة على القواعد القانونية تنزع دوما منزعا أخلاقيّا في أساسها ، ويقدم لنا الأمثلة تلو الأخرى لتعزيز فرضياته . فهو يرى أن تحريم الربا لم يكن إلّا تشريعا قانونيّا يغلب عليه الطابع الأخلاقي ، لأنه يعتقد أنه يبدو غلوّا في البعد عن الواقع العملي أن نفترض أن المقرض أو المقترض سوف يوليان اهتماما بالغا بالجزاء الأخروي مماثلا لاهتمامهما بأثر تعاملهما على مصالحهما الذاتية ، وما يجلبه هذا التعامل من الكسب والخسارة « 2 » . ويرى « كولسون » أن موضوع القصاص والجروح يتمثل فيه المحتوى الخلقي للقواعد الخلقية بأجلّ صورها . فالقرآن وضع معيارا للعدالة بالنسبة إلى القتل وهو
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ
وقد كان نظام الأخذ بالثأر هو السائد في المجتمع العربي قبل الإسلام . وكان الثأر لا يقتصر على الجاني فقط بل يمتد إلى قبيلته بأسرها . ولم تكن المساواة في الأخذ بالثأر هي الغالبة ، إذ كثيرا ما تنتقم قبيلة القتيل من قبيلة القاتل فتقتل منها أكثر من واحد مقابل قتيلها ، فجاء القرآن بمبدإ المماثلة في القتل :
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
حتى تصبح نفس القاتل وحدها مرهونة بالقصاص ولا تمتد إلى غيره . وهكذا حلّت كلمة « القصاص » التي تعني المجازاة بالمثل محل كلمة « الثأر » التي تعني الانتقام الدموي . ويضيف « كولسون » مناقضا نفسه
هامش
( 1 )Ibid , op . cit , p . 16 - 17 .( 2 )Ibid , op . cit , p . 17 .