« بزمرة » من منتهكي الحرمات المقدسة ، وقطاع الطرق والسالبين ، والقتلة واللصوص ، وبأعماله هذه دبّ الرعب في منطقته ، ونشر سلطانه الديني على قومه .
فإذا كانت الآراء التي عرضناها عليك تعكس فكرة أولئك المتعصّبين عن الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم فإنها لم تختلف كثيرا بالنسبة إلى المستشرقين والكتّاب الغربيين المحدثين .
فهذا المونسنيور « كولي » يقول في كتابه « البحث عن الدين الحق » : « برز في الشرق عدوّ جديد هو الإسلام الذي أسس على القوة ، وقام على أشد أنواع التعصب . ولقد وضع محمد السيف في أيدي الذين تبعوه وتساهل في أقدس قوانين الأخلاق . ثم سمح لأتباعه بالفجور والسلب . ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع الدائم بالملذات في الجنة . وبعد قليل أصبحت آسيا الصغرى وإفريقيا وإسبانيا فريسة له . . .
ولكن ها هي النصرانية تضع سيف شارل مارتل سدّا في وجه سير الإسلام المنتظر عند بواتييه . ثم تعمل الحروب الصليبية في مدى قرنين تقريبا في سبيل الدين ، فتدجج أوروبا بالسلاح وتنجي النصرانية . وهكذا تقهقرت قوة الهلاك أمام راية الصليب ، وانتصر الإنجيل على القرآن وعلى ما فيه من قوانين الأخلاق الساذجة » « 1 » .
وهذا الدكتور « غلوور » يقول في كتابه « تقدم التبشير العالمي » : « كان محمد حاكما مطلقا ، وكان يعتقد أن من حق الملك على الشعب أن يتبع هواه ويعمل ما يشاء . وكان مجبولا على هذه الفكرة ، فقد كان عازما على أن يقطع عنق كلّ من لا يوافقه في هواه . أما جيشه العربي فكان يتعطّش إلى التهديد والتغلّب ، وقد أرشدهم رسولهم إلى أن يقتلوا كل من يرفض اتباعهم ويبعد عن طريقهم » « 2 » .
وهكذا ترى أن فكرة التعصب والتحامل والتزوير في السيرة النبوية لم تختلف لدى رجال الدين المتعصبين ولا عند المستشرقين المحدثين ، وإنما تصب أفكارهم في وعاء واحد وهو التهجم على النبي العربي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والتشكيك في دعوته ، والشك في سيرته ، ووصفه بأوصاف لا تتفق والحقائق العلمية التي سنشير إليها في حينها .
فإذا تركنا أمثال هؤلاء الناس واقتربنا من بعض المستشرقين المعاصرين . والذين ادّعوا أنهم وقفوا حياتهم في دراساتهم الإسلامية على الحقيقة العلمية المجردة ، فإننا
هامش
( 1 ) د . عماد الدين خليل ، المستشرقون والسيرة النبوية ، مقال منشور في كتاب « مناهج المستشرقين » المرجع السابق ، ص 127 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 128 .