تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
حول القارة السمراء حتى عبرت إلى الشرق عن طريق رأس الرجاء الصالح بمساعدة بعض البحارة العرب المتمرسين بمعرفة البحار والأنواء البحرية والذين كان على رأسهم « ابن ماجد » العربي . إن اكتشاف الطرق الجديدة الموصلة إلى الهند استقطبت اهتمامات دول أوروبا قاطبة ، وسعت جميعا إلى الوصول إلى تلك الأصقاع للاستئثار بخيرات وموارد تلك البلاد ، ثم استعمارها مباشرة بداية من القرن الخامس عشر وانتهاء بالنصف الأول من القرن العشرين . وبالرغم من اكتشاف الطرق البحرية الجديدة والوصول إلى الشرق الأقصى من خلالها تفاديا للمرور بالشرق الأوسط ، ومن تأسيس لشركات تجارية ضخمة « كشركة الهند الشرقية » التي لعبت دورا رئيسا في استغلال الهند وخيراتها ثم أدت تلك العمليات التجارية إلى استعمارها من قبل بريطانيا ، إلا أن دواخل الشرق الأوسط وأواسط إفريقيا ظل مجهولا لدول أوروبا ، التي زاد جشعها التجاري الاستغلالي ، ورغبتها الأكيدة في السيطرة على تلك الأصقاع . ولم يكن لها من بدّ سوى الاستعانة بالرّحالة الذين يتقنون لغات تلك البلدان ، وعادات أهلها ، وطبيعة أرضها ، ولم يكن هؤلاء إلّا المستشرقين والمبشرين ، الذين قاموا بهذه المهمة على خير وجه وأكمله . فقد بدأ هؤلاء المتخصصون يتسربون إلى الشرق وإفريقيا لاستكشاف مجاهلها ، وسبر أغوارها ، والاطلاع على سلوك وتركيب عادات سكانها . ودبجوا التقارير الطويلة التي كانوا يرسلونها إلى الجمعيات الجغرافية البريطانية والفرنسية ذات الصلة الوثيقة بوزارة مستعمرات البلدين . ثم يستخلص الخبراء من تلك التقارير النتائج التي يرونها ملائمة والتي أدت في النهاية إلى السيطرة الاستعمارية المباشرة كما أسلفنا . ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن تكوين الجمعية البريطانية لاكتشاف إفريقيا سنة 1788 والتي اجتمعت للمرة الأولى في 9 من يونية عام 1788 - على أن أهدافها حسبما هو مدوّن بمحاضرها كان لا يعدو حب العلم وحده ، المنزه عن المصالح - هو الذي حدا بمؤسسي هذه الجمعية إلى العمل الذي دعاها إلى تكوين وتشجيع البعثات العلمية في دواخل القارة الإفريقية للكشف عن خفاياها وأسرارها الجغرافية « 1 » .
هامش
( 1 ) أتيلو موري ، الرّحالة والكشف الجغرافي في ليبيا ، تعريب : خليفة التليسي . مكتبة الفرجاني ، طرابلس ، ط 1 ، 1971 م ، ص 9 .