ومن مظاهر تأثير الثقافة الغربية على بلدان الشرق قيام كسرى أنو شروان ( 531 - 578 ) الذي تأثر بالثقافة الهلينية ، والتي اكتسبها بدوره إبان حربه في سوريا ضد الرومان بتأسيس تلك المدرسة الشهيرة « جنديسابور » ، فاستقدم إليها الفلاسفة اليونان المطرودين عندما أغلق جوستنيان مدارس أثينا ، وقد تطور تدريس الطب هناك تطورا عظيما على أيدي أطباء من اليونان والهند كما شملت الدراسة بها الفلسفة والعلوم بمختلف أنواعها . ويقول دي لاسي أوليري « 1 » : إنه كان من بين خريجي مدرسة جنديسابور الطبيب العربي الحارث بن كلدة وابنه النظر بن الحارث الذي ذكره ابن سينا في قانونه الخامس ، ونحن نعلم أن الأخير كان من أشد أعداء النبي وكان يتقن اللغة الفارسية ، وكثيرا ما يعارض النبي برواية قصص فارسية كبندار وإسفنديار ، وكانت نهايته المحتومة بعد غزوة بدر الكبرى .
أما عن المدرسة العلمية الثانية وهي مدرسة حرّان فإننا لا نملك معلومات واسعة عن كيفية تأسيسها ، ولكنها مركز للنفوذ الهليني منذ زمن الإسكندر الأكبر ، وبقيت موئلا للدين الإغريقي القديم بعد أن أصبح العالم اليوناني بأكمله مسيحيا « 2 » .
كان من نتائج التفاعل الحضاري بين الإغريق والشعوب السامية الذي بدأه الإسكندر المقدوني بفتوحاته والذي عززه وأغناه السلوقيون في سوريا ، والبطالسة في مصر ، نشوء حضارة جديدة أطلق عليها الحضارة « الهلنستية » تمييزا لها عن الحضارة « الهلينية » التي تعني الحضارة الإغريقية في البلاد الأم . وهكذا أصبحت « الهلنستية » الحضارة التي تميزت بها بلدان الشرق الأدنى في القرون الثلاثة التي سبقت المسيحية .
وكان مهد هذه الحضارة تلك المدن التي بناها الإسكندر ومن بعده خلفاؤه المقدونيون في أماكن استراتيجية تتحكم في طرق المواصلات التي كانت معبرا للتجارة الدولية في تلك الأزمان . كما كان الإسكندر نفسه رائدا من روّاد الثورات الكبرى العالمية التي تتعلق بتطلع الإنسان نحو تحسين العالم الذي يعيش فيه . وكان أول زعيم في التاريخ نادى « بوحدة العالم » ، كما كان أول إنسان في التاريخ فكّر في الأخوة الإنسانية
هامش
( 1 ) دي لاسي أوليري ، الفكر العربي ومركزه في التاريخ ، ترجمة إسماعيل البيطار ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، ط 1 ، 1974 م ، ص 41 .
( 2 ) المرجع السابق .