ولقد بلّغ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ما أنزل عليه لأصحابه ، ثم شرح لهم القرآن بقوله وبعمله وبتقريره وبخلقه ، أي بسنته الجامعة لأقواله وأفعاله ، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 1 » .
- وأمّا الصحابة رضوان الله عليهم فكانوا وقتئذ عربا خلّصا متمتعين بجميع خصائص العروبة ومزاياها الكاملة ، من قوة في الحافظة ، وذكاء في القريحة ، وتذوق للبيان ، وتقرير للأساليب ، ووزن لما يسمعون بأدق المعايير حتى أدركوا من علوم القرآن ، ومن إعجازه بسليقتهم وصفاء فطرتهم ، ما لا نستطيع نحن أن ندركه مع زحمة العلوم وكثرة الفنون .
وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم مع هذه الخصائص أمّيّين ، وأدوات الكتابة لم تكن ميسرة لديهم . والرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد نهاهم عن أن يكتبوا عنه شيئا غير القرآن .
وقال لهم في أول العهد عند نزول القرآن فيما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « لا تكتبوا عنّي ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » .
س : ما سبب نهي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن الكتابة لغير القرآن ؟
ج : سبب نهي رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن الكتابة لغير القرآن : مخافة أن يلتبس القرآن بغيره ، أو يختلط بالقرآن ما ليس منه ما دام الوحي نازلا بالقرآن الكريم .
فلتلك الأسباب المتضافرة لم تدون علوم القرآن كما لم يدون الحديث الشريف .
ومضى الرعيل الأول على ذلك في عهد الشيخين الكبيرين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما . ولكن الصحابة كانوا مضرب الأمثال في نشر الإسلام وتعاليمه ، والقرآن وعلومه ، والسنة وتحريرها . تلقينا لا تدوينا ، ومشافهة لا كتابة .
ثم جاءت خلافة عثمان رضي الله عنه وقد اتسعت رقعة الإسلام واختلط العرب الفاتحون بالأمم التي لا تعرف العربية ، وخيف أن تذوب خصائص العروبة من هؤلاء العرب الخلّص من جراء هذا الفتح والاختلاط . بل خيف على القرآن نفسه أن
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية 44 .