الكتاب ، أو حذراً من ولاة الأمور ، ولكن هذا التعليل يقضي بأن الجاحظ والعسكري وأنصارهما قد تجاهلوا كيانهم الحضاري ومجدهم العلمي ، وفرطوا بذوقهم الأدبي وتراثهم العقلي راغبين أو راهبين .
ج - الدافع القومي : ومرده في إعطاء هذا الرأي وبخاصة من قبل الجاحظ هو محاولة دحض مزاعم الشعوبيين الذين حاولوا تفضيل نصوصهم الأدبية على النصوص العربية بكثرة معانيها ، وتدفق أغراضها ، وتعدد موضوعاتها ، فكان رد الفعل لدى النقاد العرب هو التقليل من قيمة المعاني وإعطاء القيمة للصناعة اللفظية .
2 - الفريق الثاني
: وذهب الفريق الثاني وفي طليعته ابن قتيبة ( ت 276 ه ) إلى القول بالجمع بين اللفظ والمعنى مقياساً في البلاغة ، وميزاناً للقيمة الفنية ، فرأى أن الشعر يسمو بسموهما وينخفض تبعاً لهما ، وقد قسم الشعر إلى أربعة أضراب :
1 - ضرب حسن لفظه وجاد معناه .
2 - ضرب منه حسن لفظه وحلا ، فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى .
3 - ضرب منه جاد معناه ، وقصرت ألفاظه .
4 - ضرب منه تأخر معناه ، وتأخر لفظه « 1 » .
فاللفظ والمعنى عند ابن قتيبة يتعرضان معاً للجودة والقبح ، ولا مزية لأحدهما على الآخر ، ولا استئثار بالأولوية لأحد القسيمين ، فقد يكون اللفظ حسناً وكذلك المعنى ، وقد يتساويان في القبح ، وقد يفترقان .
ولم يعدم ابن قتيبة الموافقين له على رأيه ، وفيه من الوجاهة ما يدعمه ، فقد سار على منهاجه قدامة بن جعفر في نقد الشعر وتحدث عن اللفظ والمعنى ، وجعلهما قسيمين في تحمل مظاهر القبح وملامح الجودة فيما أورده من آراء في عيوب الألفاظ والمعاني « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن قتيبة ، الشعر والشعراء : 7 - 9 .
( 2 ) قدامة ، نقد الشعر ، الفصل الثالث : 194 - 214 .