ظنهم ، وقد تقطعت بهم الأسباب بعد ذلك التطاول والشموخ والاستعلاء ، فما أغنى عنهم ما جمعوا من العدة والعدد ، والخول والخدم ، والمال والعقار ، كلها ذهبت هباء ، وتطايرت في مهب الأحلام ، فلا جمع ولا استكبار ، بل خنوع وخضوع ، وذل وإذلال ، وليت الأمر وقف بهم عند هذا الملحظ بل صكهم الاستفهام التقريري بالإشارة إلى أهل الجنة بما أفاضه أهل الأعراف :
أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ
الأعراف / 49 .
« أي هؤلاء هم الذين كنتم تجزمون قولا أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير ، وإصابة الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة ، ووقوع النكرة - برحمة - في حيز النفي يفيد استغراق النفي للجنس ، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير » « 1 » .
ثمّ تعالى صوت أهل الأعراف لأولئك المستضعفين من المؤمنين ، بتفويض خاص ، وبأمر خاص من اللّه دون ريب قائلين لهم
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
الأعراف / 49 . وهو أمر من رجال الأعراف لأصحاب الجنة بدخول الجنة بعد تقرير حالهم عند الكفرة بالاستفهام ، وكان الأمر نهائيا بتخويل نهائي لا يجزأ ولا ينشطر ، ولا يرد ولا يبدل ، لأنه اقترن بإشاءة اللّه وإرادته ، ولا رادّ لذلك .
إذن من هم رجال الأعراف ، وأصحاب الأعراف في سورة الأعراف ؟
المروي عن الإمام الباقر أنه قال : « هم أكرم الخلق على اللّه تبارك وتعالى » « 2 » .
وهذا إجمال يفصله الإمام الباقر نفسه
ويبينه في رواية أخرى وقد سئل ما يعني بقوله تعالى
وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ
، قال الباقر عليه السّلام : « ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح ، قلت بلى : فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلا بسيماهم » « 3 » .
وهم لدى المفسرين : إما أن يكونوا رجالا مخصوصين بالحباء
هامش
( 1 ) الطباطبائي ، الميزان : 8 / 132 .
( 2 ) المصدر نفسه : 8 / 144 .
( 3 ) العياشي ، التفسير : 1 / 280 .