الدّين ، ألا تراه فيها يدعو الكاتب إلى أن يكون عادلا فيما يكتب ، مذكرا إياه بأن معرفته الكتابة منة من اللّه عليه ، يجب أن تقابل بالشكر ، ومن شكرها أن يكتب كما يجب ، قال تعالى :
وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
( البقرة 282 ) .
ويذكّر من عليه الحق بأن يتقى اللّه ، وهو يملى ما عليه من دين
وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً
( البقرة 282 ) . ويتكئ على غريزة التملك ، عندما تحدث عن الحكمة في كتابة الدّين ، إذ كتابته تحفظ المال ، وتبعد الريب عن النفس في قيمته ، قال سبحانه :
ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
( البقرة 282 ) . وعندما حذرنا أن نضر الكاتب والشهيد ، ذكرنا بأن الإضرار بهما فسوق ، لا يرضاه اللّه .
وانتهت آية الدّين بتذكيرنا بأن اللّه عليم بكل شئ ، يعلم ما فيه الخير لنا فيأمرنا به ، ويكون النجح في القيام به .
وختم القرآن حديثه عن أحكام الميراث بقوله تعالى :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ
( 14 ) ( النساء 13 - 14 ) ، وفي ذلك كما ترى إثارة عامل الخوف والرجاء . وفي استدلالات القرآن تجد فيها تلك الإثارات الوجدانية أيضا ، واقرأ قوله تعالى مبرهنا على وحدانيته :
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ( 28 ) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
( 29 ) ( الأنبياء 21 - 29 ) . فهو يثير في النفس إجلال اللّه بتلك الصفات التي سيقت له ، وانفرد بها ، فهو رب العرش ، لا يسأل عما يفعل ولا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ، وهم من خشيته مشفقون ، وذلك كله مما يسند الإيمان بوحدانيته . وقبل أن أختم هذا الفصل ، أريد أن أقف قليلا عند تلك الآيات التي قد يبدو فيها أنها تبعث إثارات جسمية ، من مثل قوله تعالى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ