مع أنهم يضمرون لهم أشد ألوان الاحتقار والاستهزاء ، وأن تتصور موقفهم من الهدى الذي سطعت شمسه أمامهم ، فكانوا صمّا بكما عميا ، فإذا تغلغلت في أعماق قلوبهم رأيت الذعر ، قد استبد بها ، كما يستبد بمن أحاط به صيب ، فيه ظلمات ورعد وبرق .
ثم نحكم بعدئذ على ما في هذه المعاني من خطأ أو صواب ، وتناسق أو اضطراب ، وهي القراءة الثالثة الحاكمة ، وبما ذكرناه تتبين الدقة في التصوير ، وهنا نشير إلى ما قد يتراءى في تصوير المنافق في تلك الآيات ، من وصفه بالإفصاح عن معتقده ، كما تدل على ذلك الآية :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
. وبإخفاء معتقده ، كما تدل على ذلك آية :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
.
وليس بين الآيتين خلاف في التصوير ، فالآية الأولى تبين نفسيتهم الحقيقية .
عندما يعرض عليهم الإيمان ، فإنهم يقولون في أنفسهم :
أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
، وكأنهم لشدة شعورهم يجهرون بذلك ، أما الآية الثانية فتصف صلتهم الخارجية ، بالمؤمنين ، وأنهم يظهرون لهم الإيمان ، ويبطنون الكفر والنفاق ، فإحدى الآيتين تشرح نفسيتهم ، والثانية تتحدث عن اضطرابهم بين ما يظهرون وما يضمرون .
وبهذه القراءات الثلاث تستطيع أن تقول : إن النص الأدبي أصبح واضحا في نفسك تمام الوضوح .
* * *