وقد نقل « لوبون » كلمة الرحالة « بركهارد » الذي يعد حجة في هذا الموضوع فقال : « نجد اختلافا كبيرا لا ريب في لهجات اللغة العربية العامية أكثر من أية لغة أخرى على ما يحتمل ، ولكنه لا يصعب عليك أن تفهمها جميعا إذا ما تعلمت إحداها ، وذلك على الرغم من اتساع البلدان التي يتكلم أهلوها بها » « 1 » .
أما كلمة أبى عمرو بن العلاء : « وما لسان حمير بلساننا ، ولا لغتهم بلغتنا » تلك الكلمة المأثورة عن أبي عمرو ، والتي ترددت في كتب الرواة - فأحسن تفسير لإشكالها تفسير الدكتور الحوفى في كتابه « الحياة العربية في شعر الجاهلية » حيث يقول : « إن اللغتين عربيتان ، ولكن التطور ، والمكان ، والزمان ، والأحداث ، والألسنة الخ قد شققت من اللغة الواحدة لهجتين ، بدليل قوله ( في رواية أخرى ) ولا عربيتهم بعربيتنا ، والعرب يطلقون على اللهجة اللسان » « 2 » .
4 - على أن مقياس الفصاحة وقف أمامه العلماء حيارى ، فابن فارس يشيد بلهجة قريش أو بلغتها حيث يقول : « إن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ، ذلك أن اللّه تعالى اختارهم من جميع العرب واختار منهم محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فجعل قريشا قطان حرمه ، وولاة بيته ، فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ، ويتحاكمون إلى قريش في دارهم ، وكانت قريش مع فصاحتها ، وحسن لغاتها ، ورقة ألسنتها إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم وحسن لغاتهم ، وأصفى كلامهم . فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها ، فصاروا بذلك أفصح العرب » « 3 » .
والبصريون يشترطون في الفصاحة أن تصدر من العرب الخلص الذين لم تؤثر فيهم الحضارة ، واعتصموا بالبادية من الاختلاط بغيرهم .
ومن ثم كانوا « يفتخرون على الكوفيين بأنهم يأخذون اللغة عن حرشة الضبّاب ، وأكلة اليرابيع ، على حين يأخذها الكوفيون من أكلة الشواريز وباعة الكواميخ « 4 » .
هامش
( 1 ) حضارة العرب ص 532 .
( 2 ) ج 1 ص 41 .
( 3 ) المزهر ج 1 ص 210 .
( 4 ) حرشة الضباب - الصيادون - اليرابيع - جمع يربوع وهي دويبة ، . الشواريز الألبان الثخينة ، الكواميخ - المخللات يشهى بها الطعام .