ثانيا : في رسم المصحف العثماني والقراءات :
يقصد بالرسم رسم الحروف الهجائية التي تدل على الكلام ، ورسم الكلمات في القرآن كان غاية ما وصل إليه فن الرسم الإملائى في هذا العهد ، وكتب القرآن الكريم بهذا الرسم ، وأطلق عليه الرسم العثماني ، لأن عثمان رضى اللّه عنه حينما كتب المصحف وضع للثلاثة القرشيين الطريقة التي على أساسها يكتبون فقال : « إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ ، فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم » « 1 » .
فهذا الرسم الذي سار عليه كتبة المصحف العثماني اصطلاحى يسير على قواعد الكتابة التي كانوا بها يكتبون .
ولما اتخذ المصحف هذا الرسم شعارا له أصبح سنة متبعة لا تخالف ، ذلك لأن رسوم الهجاء تتغير من زمن إلى زمن ، بل من شعب إلى شعب ، فصيانة لكتاب اللّه من عبث العابثين ، وإغلاقا لباب التغيير فيه ، وإحداث ما ليس منه أصبح هذا الرسم مقدسا لا يمس .
ومن هنا « قال أشهب : سئل ( مالك ) هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء ؟
فقال : لا : إلا على الكتبة الأولى » « 2 » ، وقال الإمام أحمد : « تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك » « 3 » .
وقال البيهقي في شعب الإيمان : « من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به المصاحف ، ولا يخالفهم فيه ، ولا يغير مما كتبوا شيئا ، فإنهم كانوا أكثر علما ، وأصدق قلبا ولسانا ، وأعظم أمانة منا فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم ) « 4 » .
وإذا كان رسم المصحف العثماني لا يخالف ، ولا يصح الخروج عن رسمه فهل هذا يعنى أن هذا الرسم تلزمنا القراءة به ، وأنه صورة للكلمات القرآنية المنطوقة ، وأنه بهذا الاعتبار يحدد طريقة القراءة أو الأداء كما يحدد طريقة الرسم أو الكتابة ؟ .
الحق الذي لا مرية فيه أن الرسم غير القراءة ، لأن القراءة مصدرها الرواية ، والرسم
هامش
( 1 ) انظر : كتاب القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية طبع دار المعارف لصاحب البحث ص 5 .
( 2 ) الاتقان ج 1 ص 59 .
( 3 ) الاتقان ج 2 ص 167 .
( 4 ) مفتاح السعادة ج 2 ص 225 .