على أن ابن قتيبة في كتابه « تأويل مختلف الحديث » تعرض لهذا التناقض مدلّلا على أن كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا تناقض فيه لأنه كلام معصوم لا ينطق عن الهوى .
قال ما نصه : « قالوا : أحاديث متناقضة .
قالوا : رويتم عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدرىّ قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن . فمن كتب عنى شيئا فليمحه » .
ثم رويتم عن ابن جريج عن عطاء عن عبد اللّه بن عمرو قال : قلت يا رسول اللّه : أقيد العلم ؟ قال : نعم قيل : وما تقييده ؟ قال : كتابته .
ورويتم عن حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن جده قال :
قلت يا رسول اللّه : أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : نعم . قلت : في الرضا والغضب ؟ قال :
نعم ، فإني لا أقول في ذلك كله إلا الحق .
قالوا : وهذا تناقض واختلاف .
ويرد ابن قتيبة على هذه الدعوى الباطلة بقوله :
قال أبو محمد ، ( كنية ابن قتيبة ) : ونحن نقول : إن في هذا معنيين :
أحدهما : أن يكون منسوخ السنة بالسنة ، كأنه نهى في أول الأمر عن أن يكتب قوله .
ثم رأى بعد ما علم أن السنن تكثر - وقد تفوت بالحفظ - أن تكتب وتقيّد .
والمعنى الآخر : أن يكون خص بهذا عبد اللّه بن عمرو ، لأنه كان قارئا للكتب المتقدّمة ، ويكتب بالسّريانية والعربية ، وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان ، وإذا كتب لم يتقن ، ولم يصب التهجي ، فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم ، ولما أمن على عبد اللّه بن عمرو ذلك أذن له » « 1 » .
* وحقيقة لقد أصاب ابن قتيبة المحزّ في الرد الصائب ، والإجابة المقنعة .
ونضيف إلى رأى ابن قتيبة رأيا آخر لا يقل وجاهة عنه وهو رأى الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي المتوفى نحو سنة 360 ه حيث يقول في معرض الرّد على هذه الدعوى الكاذبة
هامش
( 1 ) تأويل مختلف الأحاديث لابن قتيبة .