وقد كان للتعصب المذهبى في العصر الأموي أثر في النشاط النحوي ، فابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان على العرب « 1 » ، وربما كان تتبع ابن أبي إسحاق للفرزدق يرجع - فيما يرجع - إلى هذه النزعة ، وكان أبو عمرو بن العلاء أشد الناس تسليما للعرب « 2 » ، فوقف من شعرائهم موقفا يقوم على تجويز ما ذهبوا إليه ، وتوجيه ما قالوه بما يتفق أيضا وأساليب العربية ، ولما اعترض ابن أبي إسحاق على الفرزدق في رفع مجلف من قوله :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال الا مسحتا أو مجلف
قال أبو عمرو للفرزدق : أصبت » وهو جائز على المعنى أي أنه لم يبق سواه « 3 » .
ومن أجل ذلك اكتوى ابن أبي إسحاق من الفرزدق بنار الهجاء ، كما نضد الفرزدق لأبى عمرو عقود الثناء ، ففيه يقول :
ما زلت أفتح أبوابا ، وأغلقها * حتى أتيت أبا عمرو بن عمار « 4 »
* * * وإذا انتهيت إلى ذلك يجمل بي أن ألخص المعالم الكبرى للنشاط النحوي ، منذ نشأ النحو حتى أبى على الفارسي ، وتتلخص هذه المعالم فيما يأتي :
( 1 ) نشاط النحويين في توقى اللحن القرآني .
( 2 ) توجيههم الإعرابى للقراءات الصحيحة .
( 3 ) تآليفهم وتطور إنتاجهم منذ أبى الأسود حتى سيبويه .
( 4 ) حلقاتهم المعقودة للدرس منذ سعد الرابية حتى عصور العربية الزاهية .
( 5 ) اختصار كتب الأقدمين وبخاصة كتاب سيبويه
( 6 ) كتابتهم في أصول النحو .
( 7 ) مناظراتهم ومجالسهم .
( 8 ) نشاطهم في النقد الأدبي ، وتقويم مكانتهم في ذلك المجال
ويتسلم أبو علي الفارسي هذا التراث الضخم بمظاهر النشاط المختلفة فيه ثم يكون له مشاركة تمضى بهذا النشاط قدما كما يأتي البيان .
هامش
( 1 ) طبقات الزبيدي : 26 .
( 2 ) نزهة الألباء : 12 .
( 3 ) نزهة الألباء 13 وانظر تاريخ النقد الأدبي لطه إبراهيم : 51 .
( 4 ) طبقات الزبيدي : 28 .