فإذا انتقلت إلى الحديث عن الحياة الخلقية ، وجدنا من النصوص ما يكشف لنا عن صورتها في ذلك العصر . فيتحدث المؤرخون عن إهمال عضد الدولة ( ت 372 ه ) للشريعة ، ويستشهدون على ذلك بأنه فرض على الراقصات والقحاب بفارس ضريبة ، وكان يضمن هذه الضريبة « 1 » كما نجد تعشق الذكران شائعا في ذلك العصر : فيحكى أن سيف الدولة كان له غلام يسمى باسم مؤنث وهو « ثمل » ، وكان عزيزا عليه « 2 » وكان الصاحب بن عباد يتعشق غلاما ألثغ السين
وهذا « معز الدولة » يهيم حبا بمملوك تركى في غاية الجمال ، فيجعله مقدم الجيش لمحاربة بنى حمدان ، وكان الوزير المهلبي يستحسنه ويرى « أنه من أهل الهوى لا مدد الوغى » فقال فيه :
طفل يرق الماء في * وجناته ، ويرف عوده
ويكاد من شبه العذا * رى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصره * سيفا ، ومنطقة تئوده « 3 »
وهكذا يخلط معز الدولة الجهاد بالمجون ، والجد بالاستهتار والفتون ، فلا يتحرج أن يجعل مقدم الجيش غلاما أشبه بالعذارى ، قد تحير في أديم خديه ماء الهوى ، ورف عوده وكادت تبدو نهوده ! !
جعلوه قائد عسكر * ضاع الرعيل ومن يقوده
وقد كان للشيخ أبى على الفارسي مثل ذلك ، محمد بن طويس القصرى - أحد تلاميذه وكان حدثا ، وكان الشيخ يتعشقه ، ويخصه بالطرف ، ويحرص على الإملاء عليه والالتفات إليه ، وبه سمى مسائله - على رأى - القصريات ! ! « 4 » .
ولم ينج من الانغماس في هذه الحمأة أهل التوقر والتحرج ؛ فجرف التيار المتصوفة من أمثال ابن فهم الصوفي « 5 » ، وأبى الوزير « 6 » ، والقضاة كالجراحى أبى الحسن الذي يغمز بالحاجب إذا رأى مرطا ، وأمل أن يقبل خدا وقرطا « 7 » .
والمتطببين والفلاسفة : كابن غسان البصري الذي أحرق العشق كبده على غلام بباب الطاق « 8 » ، والمنطقي أبى سليمان المفتون بصبي موصلى ملأ الدنيا عيارة وخسارة « 9 »
هامش
( 1 ) الحضارة الاسلامية 2 / 141 .
( 2 ) تاريخ تجارب الأمم لابن مسكويه 6 / 831 .
( 3 ) وفيات الأعيان ج 1 / 394 .
( 4 ) معجم الأدباء 18 / 206 .
( 5 ) الإمتاع 2 / 166 .
( 6 ) نفس المرجع 2 / 167 .
( 7 ) الإمتاع 2 / 168 .
( 8 ) الإمتاع 2 / 166 .
( 9 ) الإمتاع 2 / 174 .