من هذه ورأيا من الأخرى وإن كانوا في مذهبهم الأصيل يميلون إلى هذه أو يميلون إلى تلك فيكونون بصريين أو كوفيين حسب . فابن كيسان يحفظ المذهبين لأنه أخذ عن المبرد وثعلب « 1 » ، وكان ميله إلى البصريين أكثر « 2 » ، وكذلك كان ابن قتيبة « 3 » .
وابن شقير شديد التعصب مع الكوفيين مع اعتقاده مذهب البصريين « 4 »
وأبو علي نفسه أحد هؤلاء فعلى الرغم من نزعته التي تميل به إلى البصرية كان يرى رأى الكوفيين في بعض المسائل النحوية ، وقد أعطيت مذهبه فضل بيان في بعض فصول هذا البحث فليراجع هناك .
* * *
( ب ) معالم « نشاط النحويين منذ عهد أبى الأسود حتى أبى على الفارسي »
منذ أن توفى الرسول ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، وانتهى الأخذ عنه بوفاته ، والنحويون الأولون - الذين كانوا قراء - نصبوا أنفسهم رقباء على لحون القراء ، وتتابع النحاة بعد أبي الأسود يستمعون إلى القراء ، ويرقبون القارئين ، وينبهون إلى لحن اللاحنين ، ومكن لهم من هذه الرقابة أن مجالها ذو شأن عظيم : ذلك هو القرآن الكريم ، واللحن فيه أبعد أثرا ، وأشد خطرا ، وأبشع نكرا ، نعم ! بدأت الرقابة منذ أبى الأسود . وقد علمنا ما كان من الأمر عندما سمع قارئا يقرأ : « إن اللّه برئ من المشركين ورسوله ، بكسر اللام « 5 » ، ودفع النحاة الأولين إلى هذه السيطرة » - كذلك - أن لكل منهم عملا قرآنيا مذكورا به ، مشهورا عنه ، إلى جانب جلوس كل منهم للاقراء يؤخذ عنه ، ويعرض عليه : فأبو الأسود الدؤلي ينقط المصحف « 6 » ، ونصر بن عاصم ( ت 89 ه « 7 » ) يسأله الحجاج أن يضع للحروف المتشابهة علامات ، وينهض نصر بهذه المهمة ، فيضع النقط أفرادا وأزواجا ، ويخالف بين أماكنها بتوقيع بعضها فوق الحروف ، وبعضها تحت الحروف « 8 » ويروى أبو عمرو أن نصرا هو الذي خمس المصاحف وعشرها « 9 » . ونصر هذا هو الذي حدث عنه خالد الحذاء ، قال : « سألت نصر بن عاصم كيف تقرأ : « قل
هامش
( 1 ) حاشية الأمير على المغنى 1 / 56 وانظر نزهة الألباء 162 .
( 2 ) انظر طبقات الزبيدي 171 .
( 3 ) انظر الفهرست 115 .
( 4 ) الإيضاح للزجاجى : 20 ( ا ) .
( 5 ) نزهة الألباء 6 .
( 6 ) طبقات الزبيدي 13 .
( 7 ) نزهة الألباء 9 .
( 8 ) التصحيف والتحريف لأبى أحمد العسكري 10 .
( 9 ) كتاب النقط 133 .