ابن جنى والفراء
اتصل ابن جنى بالفراء عن طريق شيخه أبى على الذي روى له كتاب المعاني عن ابن مجاهد عن الفراء « 1 » .
على أن خطة ابن جنى في كتابه المحتسب من حيث اعتداده بالشواذ تقرب من خطة الفراء ، وقد قلت في تقديم معاني القرآن للفراء : « إن الملاك العام عنده الاعتداد بالشاذ وتصويب القراءة به ، ما دامت موافقة لوجه من وجوه العربية » وقدمت على هذه القضية الأدلة المدعومة بالاستشهادات من نصوص الفراء في كتابه معاني القرآن .
وإن كان هناك من فرق بين الرجلين فهو أن ابن جنى يوثق القراءة المشذذة بالرواية بجانب موافقتها وجها من وجوه العربية ، وبذلك تزداد عنده درجة التوثيق على هذا النحو ؛ لأن الفراء يكتفى بأن توافق ، القراءة وجها من وجوه الصنعة الاعرابية واللغوية من غير نظر إلى الطرق المروية إلا في القليل .
فإذا تحدث الفراء عن مذهبه الكوفي ، وخالفه في ذلك ابن جنى بما له من ميول بصرية - بدا ابن جنى وقد شدد الهجوم في غير هوادة أو لين :
ومن ذلك ما حكاه الفراء عن بعض القراء ، وفيما ذكر ابن مجاهد : يخطف بنصب الياء والخاء والتشديد .
قال ابن مجاهد : وحكى الفراء « أن بعض أهل المدينة يسكن الخاء والطاء ، ويشدد فيجمع بين ساكنين . « قال ابن مجاهد : » « ولا نعلم أن هذه القراءة رويت عن أهل المدينة » .
قال أبو الفتح : « هذا الذي يجيزه الفراء من اجتماع ساكنين في نحو هذا لا يثبته أصحابنا ، وإنما هو اختلاس واخفاء فيلطف عليهم ، فيرون أنه إدغام ، وإنما هو اخفاء للحركة ، وإضعاف الصوت ، وهذا كما يروى في قوله :
« ومسحه مر عقاب كاسر »
« صدر البيت : كأنها بعد كلال الزاجر « 2 » .
إن الحاء مدغمة في الهاء . ويا ليت شعري كيف يجوز لذي نظر أو من يخلد إلى أدنى فكر أن يدعى أن هنا ادغاما ، وأن تجمع بين ساكنين ، وقد قابل به جزء التفعيل ، وإذا وقع التحاكم إلى بديهة الحس فقد سقطت كلفة اتعاب النفس ، ألا ترى
هامش
( 1 ) مقدمة المحتسب : 10 .
( 2 ) انظر الكتاب لسيبويه : 2 / 413 .