إيثارك له ، وعنايتك به » والآخر يفيد اطراحك له ، وإعراضك عنه الخ . . .
ثالثا - هذا المنطق الخفيف الذي أذابه التدليل السمح في هوادة ولين لا يرهق القارئ ، ولا يكد ذهن السامع .
رابعا - هذا المنهج التعليمي الذي يقدم النظائر المفهومة ليقرب بها ، ويقيس عليها نظائر أخرى من أشباهها . ذلك قوله :
فإذا ثبت بهذا كله قوة عنايتهم بالفضلة . . حسن قوله تعالى :
« وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ »
.
خامسا - ذلك التذوق اللغوي وفهم روح العربية وأسرارها .
سادسا - تحدثه في نظرية النظم التي وضع أساسها لعبد القاهر الجرجاني من بعده .
سابعا - أنى لا أجد فرقا بين ما يقوله ابن جنى هنا وما يقرره المحدثون من النقاد والباحثين في علوم البلاغة والنقد من أن « الفكرة والصورة في الأسلوب كل لا يتجزأ ، ووحدة لا تتعدد ، وليس أدل على اتحادهما من أنك إذا غيرت في الصورة تغيرت الفكرة ، وإذا غيرت في الفكرة تغيرت الصورة فقولك « أعنيك » « غير قولك » إياك أعنى « وقولك » كل ذلك لم يكن غير قولك : « لم يكن كل ذلك » وقولك « ما شاعر إلا فلان غير قولك » ما فلان إلا شاعر « فترتيب الألفاظ في النطق لا يكون إلا بترتيب المعاني في الذهن « 1 » » .
( ح ) في احتجاجه لقراءة « فبذلك فلتفرحوا » « 2 » برهن على أن هذه القراءة خارجة عن أصلها لاستغنائهم ب اضرب عن لتضرب ونحوه . . . ثم قال : « وكأن الذي حسن التاء هنا أنه أمر لهم بالفرح فخوطبوا بالتاء ؛ لأنها أذهب في قوة الخطاب فاعرفه . ولا تقل قياسا على ذلك فلتحزنوا ، لأن الحزن لا تقبله النفس قبول الفرح إلا أن تريد إصغارهم وإرغامهم فتؤكد ذلك بالتاء « 3 » .
أرأيت كيف لاءم بين التعبيرات المختلفة وطبيعة النفس الانسانية ؟ فالفرح مقبول ، والحزن غير مقبول ، ومن هنا حسن فلتفرحوا ، ولم يحسن فلتحزنوا ، مستغلا في ذلك الأصل النحوي : من أن التاء أذهب في قوة الخطاب ؟
هامش
( 1 ) دفاع عن البلاغة للزيات : 60 .
( 2 ) سورة يونس آ 58 .
( 3 ) المحتسب 1 / 390 .