واحدة ، لذلك يتحول الأمر إلى نهي عن الاستكثار « ولا تمنن تستكثر » . وقد أخطأ المفسرون أيضا حين فهموا المنّ هنا بمعنى العطاء ، ويعتمد الزمخشري على قراءة للحسن تؤكد هذا المعنى :
قرأ الحسن : ولا تمن وتستكثر ، مرفوع منصوب المحل على الحال ، أي ولا تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه كثيرا ، أو طالبا للكثير ، نهي عن الاستكثار ، وهو أن يهب شيئا وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب « 1 » .
ويتابع المفسرون المحدثون هذا التأويل دون فحص أو إعادة نظر :
لا تعط وأنت تقدر في نفسك أن ما تعطيه كثير ، بان اعط عطاء من لا يخاف الفقر ، أو قدّر أن ما تعطيه قليل وإن كان كثيرا في الواقع ونفس الأمر « 2 » .
إن النهي عن المنّة نهي عن الضعف والتخاذل والاستكثار ، استكثار الأوامر واستثقالها ، وهذا النهي يجاوبه الأمر بالصبر « ولربك فاصبر » ، ولا يكون الصبر إلّا مع الشدة . ورد في الأساس :
وهو ضعيف المنّة - ، وليس لقلبه منّة أي قوة . وهم ضعاف المنن ، ومنّه السّفر :
أضعفه وذهب بمنته . قال ابن ميادة :
مننّاهن بالادلاج حتى * كأن متونهن عصيّ ضال
ومنه : الحبل والثوب المنين : الواهن المنسحق « 3 » .
وإذا كان المفسرون قد جعلوا الصبر صبرا على عناد قومه ، فان سياق النص بوصفه النص الأول في اعلان الرسالة ينفي ذلك . إن الصبر هنا صبر لأوامر الرب الذي طال حنين محمد إلى معرفته ، وطال تشوقه إلى الاتصال به . وعلينا أن نلاحظ أن النص ما زال يسند « الرب » إلى ضمير المخاطب - ضمير محمد - تأنيسا وترغيبا وتشويقا . وقد دأب أهل مكة فترة طويلة على الحديث عن « رب محمد » وما أوحى اليه به .
إن النص في عملية الاتصال الثانية ما زال يتجاوب مع حالة المتلقي الأول للنص ، ويفصح عن أشواقه ويجيب عن أسئلته . فكان الأمر بالانذار ردا على حيرته فيما يراد منه ، وكانت الأوامر بالتكبير وتطهير الثياب وهجر الرجز تأهيلا له لكي يقوم بالمهام التي يسندها
هامش
( 1 ) الكشاف : الجزء الرابع ص 180 .
( 2 ) المغربي : تفسير جزء تبارك .
( 3 ) الزمخشري : أساس البلاغة .