واجتمعت قريش يوما في عيد لهم عند صنم من أصنامهم ، كانوا يعظمونه ويخرون له ، ويعكفون عنده ، ويديرون به ، وكان ذلك عيدا لهم ، في كل سنة يوما ، فخلص منهم أربعة نفر نجيّا ، ثم قال بعضهم لبعض : تصادقوا ، وليكتم بعضكم على بعض ، قالوا :
أجل . . . فقال بعضهم لبعض : تعلموا واللّه ما قومكم على شيء . لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم ، ما حجر نطيف به ، لا يسمع ولا يبصر ، ولا يضر ولا ينفع يا قوم التمسوا لأنفسكم ، فإنكم واللّه ما أنتم على شيء ، فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم « 1 » .
وإذا كانوا قد تنصّروا جميعا بعد ذلك فان « زيد بن عمرو بن نفيل » لم يدخل في يهودية ولا نصرانية .
وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال : أعبد رب إبراهيم ، وبادي قومه بعيب ما هم عليه « 2 » .
1 - محمد والحنيفية
لم يكن محمد معزولا عن هذه الحركة الفكرية التي لا يمكن أن تقوم على مجرد اللقاء العارض بين مجموعة من الأفراد . تروي السيرة أنه خلف « عبيد اللّه بن جحش » على امرأته « أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب » « 3 » وحين سئل عن « زيد بن عمرو » سأله ابنه « سعيد » و « عمر بن الخطاب » هل يستغفرا له ؟ وكان جوابه : نعم فإنه يبعث أمة وحده » .
ومما له دلالته في هذا الصدد أن بعض الروايات تروي لقاء حدث بين النبي وبين زيد بن عمرو ، وهي رواية يرويها البخاري عن عبد اللّه بن عمر :
أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي - عليه السلام - الوحي ، فقدّمت إلى النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - سفرة ، أو قدمها اليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فأبى أن يأكل منها . ثم قال زيد : اني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل إلا ما ذكر اسم اللّه عليه ، وأن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ، ويقول : الشاة خلقها اللّه ، وأنزل لها من السماء الماء ، وأنبت لها من الأرض الكلأ ، ثم تذبحونها على غير اسم اللّه ؟ إنكارا لذلك وإعظاما له . « 4 »
هامش
( 1 ) السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 204 - 205 .
( 2 ) السيرة النبوية : الجزء الأول ، ص 206 - 207 .
( 3 ) الجزء الأول ، ص 206 .
( 4 ) الجزء الأول ، ص 206 - 207 هامش رقم ( 2 ) .