إن الاتجاه المقابل في الخطاب الديني المعاصر هو تيار « التجديد » ، وهو تيار يرى أننا لا يمكن أن نقلد القدماء ، فقد عاش القدماء عصرهم ، واجتهدوا ، وأسسوا علوما ، وأقاموا حضارة ، ووضعوا فلسفة ، وصاغوا فكرا . ومجمل هذا كله هو « التراث » الذي ورثناه عنهم ، وهو تراث ما زال يساهم في تشكيل وعينا ويؤثر في سلوكنا بوعي أو بدون وعي . وإذا كنا لا نستطيع أن نتجاهل هذا التراث ونسقطه من حسابنا ، فإننا بالقدر نفسه لا نستطيع أن نتقبله كما هو ، بل علينا أن نعيد صياغته ، فنطرح عنه ما هو غير ملائم لعصرنا ، ونؤكد فيه الجوانب الإيجابية ، ونجددها ونصوغها بلغة مناسبة لعصرنا . انه التجديد الذي لا غناء عنه إذا كنا نريد أن نتجاوز أزمتنا الراهنة . إنه التجديد الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة ، ويربط بين الوافد والموروث :
وليست القضية هي « تجديد التراث » أو « التراث والتجديد » لأن البداية هي « التراث » .
وليس « التجديد » ( الا ) من أجل الاستمرار في الثقافة الوطنية ، وتأصيل الحاضر ، ودفعه نحو التقدم ، والمشاركة في قضايا التغير الاجتماعي . التراث هو نقطة البداية كمسئولية ثقافية وقومية ، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقا لحاجات العصر ، فالقديم يسبق الجديد ، والأصالة أساس المعاصرة « 1 » .
إن التجديد يقوم على أساس وجود « أصل » قديم ، لكن هذا « الأصل » القديم الذي هو « التراث » ليس واحدا ، بل هو متنوع متغير طبقا لطبيعة القوى المنتجة له . إن « التراث » ليس معطى واحدا بل هو اتجاهات وتيارات عبّرت عن مواقف وقوى اجتماعية وعن أيديولوجيات ورؤى مختلفة .
فالتراث إذا ليس له وجود مستقل عن واقع حي يتغير ويتبدل ، يعبر عن روح العصر ، وتكوين الجيل ، ومرحلة التطور التاريخي . التراث إذا هو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناء على متطلباته ، خاصة وأن الأصول الأولى التي صدر منها التراث تسمح بهذا التعدد لأن الواقع هو أساسها الذي تكونت عليه . ليس التراث مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير ، بل هو مجموع تحققات هذه النظريات في ظرف معين ، وفي موقف تاريخي محدد ، وعند جماعة خاصة تضع رؤيتها ، وتكوّن تصوراتها للعالم « 2 » .
إن المجدّد أمام هذا التغاير في اتجاهات التراث وأمام هذا التنوع في منطلقاته وأسسه
هامش
( 1 ) حسن حنفي : التراث والتجديد ، ص 11 .
( 2 ) حسن حنفي التراث والتجديد ، ص 13 .