إن هذا الشعور لم يفارقه صلى اللّه عليه وسلم حين نزلت عليه الآيات السابقة ترده إلى درجة العدل ، ثم تصعد به في مقام الإحسان درجات بعضها فوق بعض بما يتناسب مع مقام النبوة الرفيع :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ( 126 ) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
( 128 ) .
من كان يظن أن هذا الكلام يصدر عن قائل الكلام الأول في هذا الموقف فليعد على نفسيته « المريضة » هو بالمداواة والتهذيب ، أو على رأيه الجاهل هذا بالتغيير والتبديل ، إن هذه الآيات الكريمة لا تعبر عن نقلة ومفارقة بعيدة في عالم الحسّ والشعور . . . فقط ، ولكنها تتضمن فوق ذلك براعة التلطّف بالنبيّ ، والانتقال به من درجة إلى أخرى فوقها على أدق ما يكون العلم بأعماق النفس ودرجات الشعور :
فضمان حق النبيّ في عقاب عدوه أول ما يحفظ له ويخاطب به في هذا الموقف الذي لم ينظر النبيّ إلى منظر أوجع لقلبه منه ! !
ثم ترشده الآيات بعد ذلك إلى أن صبره خير وأفضل ، وجاء الإرشاد هنا بهذه العبارات والإشارات المأنوسة :
وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ . . .
ولم تلتفت إليه في صيغة المخاطب إلا مرة واحدة
صَبَرْتُمْ
ثم ذكرت أن الصبر خير للصابرين ( ولم تقل :
فهو خير لكم ) إشارة إلى وجود الصابرين وكثرتهم كذلك . . . وإلى أن من حق النبيّ الكريم - أو واجبه كذلك - أن يكون منهم ، بل أن يكون في مقدمتهم وعلى رأسهم صلى اللّه عليه وسلم .
ثم ترتفع الآيات درجة أخرى حين « تأمره » - عليه الصلاة والسلام - بالصبر ، بعد أن هيأته الإشارة السابقة ليكون منهم ورشّحته إلى ذلك ، ولكنها