تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل إلى تفسير القرآن وعلومه — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
ورأى فيها - في ضوء ما قدّمه الرافعي كذلك فيما يبدو - لونا من ألوان الإعجاز سمّاه : « الإعجاز في نغم القرآن » وقال فيه : « إن هذا القرآن - في كل سورة منه وآية ، وفي كل مقطع منه وفقرة ، وفي كل مشهد منه وقصة ، وفي كل مطلع منه وختام - يمتاز بأسلوب إيقاعي غني بالموسيقى مملوء نغما ، حتى ليكون من الخطأ الشديد في هذا الباب أن نفاضل فيه بين سورة وأخرى ، أو نوازن بين مقطع ومقطع ، لكننا حين نومئ إلى تفرد سورة منه بنسق خاص إنما نقرر ظاهرة أسلوبية بارزة نؤيدها بالدليل ، وندعمها بالشاهد ؛ مؤكدين أن القرآن نسيج واحد في بلاغته وسحر بيانه ، إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه » « 1 » ! وقد لاحظ الدكتور الصالح أن هذه الموسيقى الداخلية تنبعث في القرآن حتى من اللفظة الواحدة ، فضلا عن الآية التي تتناسق في جوها الكلمات ، أو في السورة التي تنسجم حول فكرتها جميع الآيات . فاللفظة المفردة « تكاد تستقل - بجرسها ونغمها - بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهيا أو شاحبا ، وفيها الظل شفيفا أو كثيفا . . . فحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها ، مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
( 18 ) [ سورة التكوير ، الآيات 15 - 18 ] . بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة ، مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة « تحيد » بدلا من تنحرف أو تبتعد في قوله :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
( 19 ) [ سورة ق ، الآية 19 ] . وتقرأ قوله تعالى :
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
[ سورة آل
هامش
( 1 ) مباحث في علوم القرآن ص 385 .