تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محاضرات في علوم القرآن — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ذلك اللقاء المبارك في غار حراء في حاجة إلى وقت للراحة والتأمل في حقيقة هذا الأمر الجديد في حياته ، وتحقق ذلك بانقطاع نزول جبريل عليه مدة من الوقت جعلته يتشوق إلى لقائه مرة أخرى ، بعد أن زال عنه الرّوع ، وأخذ يتفكر في كلمات ورقة بن نوفل الذي لم يلبث أن توفي بعد أن سمع منه تفسيره لما وقع له في غار حراء ، فروى ابن سعد عن عبد اللّه بن عباس « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمّا نزل عليه الوحي بحراء مكث أياما لا يرى جبريل ، فحزن حزنا شديدا ، حتى كان يغدو إلى ثبير « 1 » مرة وإلى حراء مرة ، يريد أن يلقي نفسه منه ، فبينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذلك عامدا لبعض تلك الجبال إذ سمع صوتا من السماء . فوقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صعقا للصوت ، ثم رفع رأسه ، فإذا جبريل يقول : يا محمد أنت رسول اللّه حقا ، وأنا جبريل ، قال : فانصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد أقرّ اللّه عينه ، وربط جأشه ، ثم تتابع الوحي بعد وحمي » « 2 » . ونقل البخاري الرواية بتفصيل آخر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري « قال وهو يحدّث عن فترة الوحي ، فقال في حديثه : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت فقلت : زمّلوني ، فدثّروه ، فأنزل اللّه
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 )
[ المدثر ] ، ثم تتابع الوحي » « 3 » . وهكذا ذهب في هذه الفترة ما وجده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الرّوع في لقاء غار حراء ، وكذلك تشوّق ، بعد ذهاب الرّوع عنه ، إلى رؤية الملك مرة أخرى « 4 » .
هامش
( 1 ) ثبير : جبل من جبال مكة . ( ينظر : صفي الدين البغدادي : مراصد الاطلاع 1 / 292 ) . ( 2 ) الطبقات الكبرى 1 / 196 . ( 3 ) صحيح البخاري 1 / 6 و 6 / 215 ، وصحيح مسلم بشرح النووي 2 / 206 . ( 4 ) ينظر : العيني : عمدة القاري 1 / 62 .