لها وتربية اللبنات التي تأخذ على عاتقها القيام بها ، ولا تسن أسسها التشريعية ونظمها الاجتماعية إلا بعد طهارة القلب وتحديد الغاية حتى تكون الحياة على هدى من اللّه وبصيرة .
والذي يقرأ القرآن الكريم يجد للآيات المكية خصائص ليست للآيات المدينة في وقعها ومعانيها ، وإن كانت الثانية مبنية على الأولى في الأحكام والتشريع .
فحيث كان القوم في جاهلية تعمي وتصم ، يعبدون الأوثان ، ويشركون باللّه ، وينكرون الوحي ، ويكذبون بيوم الدين ، وكانوا يقولون :
( أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
16 - الصافات )
( ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
24 - الجاثية ) وهم ألداء في الخصومة ، أهل مماراة ولجاجة في القول عن فصاحة وبيان - حيث كان القوم كذلك نزل الوحي المكي قوارع زاجرة ، وشهبا منذرة ، وحججا قاطعة ، يحطم وثنيتهم في العقيدة ، ويدعوهم إلى توحيد الألوهية والربوبية ، ويهتك أستار فسادهم ، ويسفه أحلامهم ، ويقيم دلائل النبوة ، ويضرب الأمثلة للحياة الآخرة وما فيها من جنة ونار ، ويتحداهم - على فصاحتهم - بأن يأتوا بمثل القرآن ، ويسوق إليهم قصص المكذبين الغابرين عبرة وذكرى ، فتجد في مكي القرآن ألفاظا شديدة القرع على المسامع ، تقذف حروفها شرر الوعيد وألسنة العذاب ، فكلا الرادعة الزاجرة ، والصاخة والقارعة ، والغاشية والواقعة ، وألفاظ الهجاء في فواتح السور ، وآيات التحدي في ثناياها ، ومصير الأمم السابقة ، وإقامة الأدلة الكونية ، والبراهين العقلية - كل هذا نجده في خصائص القرآن المكي .
وحين تكونت الجماعة المؤمنة باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ، وامتحنت في عقيدتها بأذى المشركين فصبرت وهاجرت بدينها مؤثرة ما عند اللّه على متع الحياة - حين تكونت هذه الجماعة - نرى الآيات المدنية طويلة المقاطع ، تتناول أحكام الإسلام وحدوده ، وتدعو إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل اللّه ، وتفصل أصول التشريع ، وتضع قواعد