ويستطرد في ذكر المسائل الفقهية التي تتصل بها من قريب أو بعيد ، ويسوق الخلافات المذهبية ، حيث يشعر القارئ أنه يقرأ في كتاب من كتب الفقه ، لا في كتاب من كتب التفسير .
والجصاص يتعصب لمذهب الحنفية تعصبا ممقوتا ، يحمله على التعسف في تفسير الآيات وتأويلها انتصارا لمذهبه ، ويشتد في الرد على المخالفين متعنتا في التأويل بصورة تنفر القارئ أحيانا من متابعة القراءة ، لعباراته اللاذعة في مناقشة المذاهب الأخرى .
ويبدو من تفسير الجصاص كذلك أنه ينحو منحى المعتزلة في العقائد .
فيقول مثلا في قوله تعالى :
( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
103 - الأنعام ) : « معناه لا تراه الأبصار ، وهذا تمدح بنفي رؤية الأبصار ، كقوله تعالى :
( لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
255 - البقرة ) وما تمدح اللّه بنفيه عن نفسه فإنه إثبات ضده ذم ونقص ، فغير جائز اثبات نقيضه بحال . . ، فلما تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضده ونقيضه بحال . إذ كان فيه إثبات صفة نقص ، ولا يجوز أن يكون مخصوصا بقوله تعالى :
( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
22 ، 23 - القيامة ) لأن النظر محتمل لمعان : منها انتظار الثواب ، كما روي عن جماعة من السلف ، فلما كان ذلك محتملا للتأويل لم يجز الاعتراض به على ما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المروية في الرؤية إنما المراد بها العلم لو صحت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ، ولا تعرض فيه الشكوك ، لأن الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة » « 1 » .
والكتاب مطبوع في ثلاث مجلدات ، وهو متداول بين أهل العلم ، ومن مراجع الفقه الحنفي .
هامش
( 1 ) انظر صفحة 5 ج 3 .