قال القاضي أبو بكر الباقلاني « 1 » : « والذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه : منها ما يرجع إلى الجملة ، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم ، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد ، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم ، تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه ، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى ، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع ، ثم إلى معدل موزون غير مسجع ، ثم إلى يرسل إرسالا فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع ، وترتيب لطيف ، وإن لم يكن معتدلا في وزنه ، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل .
يتصنع له ، وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه ، ومباين لهذه الطرق ، فليس من باب السجع ، وليس من قبيل الشعر ، وتبين بخروجه عن أصناف كلامهم ، وأساليب خطابهم أنه خارج عن العادة . وأنه معجز ، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن ، وتميز حاصل في جميعه . . .
وليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة ، والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة ، والتشابه في البراعة على هذا الطول - وعلى هذا القدر ، وإنما تنسب إلى حكمهم كلمات معدودة ، وألفاظ قليلة ، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها الاختلال والاختلاف ، والتكلف والتعسف ، وقد جاء القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة على ما وصفه اللّه عز من قائل :
( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
23 - الزمر )
( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
82 - النساء ) فأخبر أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت وبان عليه الاختلال .
وعجيب نظم القرآن وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها - من ذكر قصص ومواعظ ، واحتجاج وحكم وأحكام ،
هامش
( 1 ) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني صاحب كتاب « اعجاز القرآن » وكتاب « التقريب والارشاد » في أصول الفقه ، توفي سنة 403 ه .