صلف يعلوا بأحدهم على أبناء عمومته أنفا وكبرا مضرب مثل في التاريخ الذي سجل لهم أياما نسبت إليهم لما أحدثوه فيها من معارك وحروب طاحنة . أشعلها شرر من الكبرياء والأنفة .
ومثل هؤلاء مع توفر دواعي اللسان وقوة البيان التي يوقدها حماس القبيل ويؤجهها أتون الحمية لو تسنى لهم معارضة القرآن الكريم لأثر هذا عنهم ، وتطاير خبره في الأجيال . فالقوم قد تصفحوا آيات الكتاب وقلبوها على وجوه ما نبغوا فيه من شعر ونثر فلم يجدوا مسلكا لمحاكاته ، أو منفذا لمعارضته ، بل جرى على ألسنتهم الحق الذي أخرسهم عفو الخاطر عندما زلزلت آيات القرآن الكريم قلوبهم كما أثر ذلك عن الوليد بن المغيرة ، وعندما عجزت حيلتهم رموه بقول باهت فقالوا : سحر يؤثر ، أو شاعر مجنون ، أو أساطير الأولين . ولم يكن لهم بد أمام العجز والمكابرة إلا أن يعرضوا رقابهم للسيوف ، وكأن اليأس القاتل بنقل بنيه من نظرتهم للحياة الطويلة والعمر المديد إلى ساعة الاحتضار فيستسلمون للموت الزؤام - وبهذا ثبت إعجاز القرآن بلا مراء .
وكان سماعه حجة ملزمة
( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
6 - التوبة ) . وكان ما يحتويه من نواحي الإعجاز يفوق كل معجزة كونية سابقة ويغني عنها جميعا
( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ، أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ
50 ، 51 - العنكبوت ) .
وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها وعنفوان قوتها .
والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف ، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره ، وهو ما أجمله القرآن أو أشار إليه - فصل القرآن بهذا معجزا للإنسانية كافة .