ويجاب عن ذلك بأن اللّه تعالى قد وعد رسوله بإقراء القرآن وحفظه ، وأمّنه من النسيان في قوله :
( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى )
ولما كانت الآية توهم لزوم ذلك ، واللّه تعالى فاعل مختار
( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
23 - الأنبياء ) جاء الاستثناء
( إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
للدلالة على أن هذا الإخبار بإقراء الرسول القرآن وتأمينه من النسيان ليس خارجا عن إرادته تعالى ، فإنه سبحانه لا يعجزه شيء .
يقول الشيخ محمد عبده في تفسير الآية : « ولمّا كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم ، ربما يوهم أن قدرة اللّه لا تتسع غيره ، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه ، جاء بالاستثناء في قوله :
( إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ )
فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك ، فالقصد هو نفي النسيان رأسا ، وقالوا : إن ذلك كما يقول الرجل لصاحبه : « أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء اللّه » لا يقصد استثناء شيء ، وهو من استعمال القلة في معنى النفي ، وعلى ذلك جاء الاستثناء ، في قوله تعالى في سورة هود
( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ )
« 1 » أي غير مقطوع ، فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد ، بكرم من اللّه وسعة جوده ، لا بتحتيم عليه وإيجاب ، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع .
وما ورد من أنه صلّى اللّه عليه وسلم نسي شيئا كان يذكره ، فذلك إن صح ، فهو في غير ما أنزل اللّه من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها ، وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين ، التي جازت على عقول المغفلين ، فلوثوا بها ما طهره اللّه ، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة صلّى اللّه عليه وسلم ويؤمن بكتاب اللّه أن يتعلق بشيء من ذلك » 2 - وقالوا : إن في القرآن ما ليس منه ، واستدلوا على ذلك بما روي من أن ابن مسعود أنكر أن المعوذتين من القرآن .
هامش
( 1 ) الآية 108 - هود .