وقد علم كل مقصر وكامل أن اللّه سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي فأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى فيه مجاريهم في الخطاب . وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون مختلفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين فضلا عن المقامات فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا وكذلك شاعرهم .
ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي يعثر في ساحاتها كثير من المحققين ) « 1 » . اه .
هذه وجهة النافين لهذا اللون من البحث ، وهذه حججهم وردودهم على القائلين بوجود المناسبات بين الآيات والسور .
ولا شك أن هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك ، وهو من العلوم التي تحتاج إلى بذل الجهد في التتبع والاستقصاء اللغوي لدلالات الألفاظ القرآنية ، والإحاطة بأسباب النزول ، والتوسع في أفانين علم البلاغة والأساليب البيانية ، وفوق كل ذلك ينبغي أن يكون الباحث ذا حس مرهف ونفس شفافة وذكاء لمّاح ليدرك سر هذا الترتيب للآيات التي وضعت بجوار بعضها ، وقد أكدت الأخبار الصحيحة عن المعصوم أن الفاصل الزمني بينها يتجاوز السنوات العديدة أحيانا .
ونحن نسلّم أن بعض العلماء الباحثين في وجوه المناسبات قد تكلّفوا أحيانا في استخراج وجه المناسبة ، ولكن تكلّفهم هذا لا ينبغي أن يكون ذريعة لردّ الوجوه المعقولة المقبولة التي ذكرها الآخرون .
إننا نسلم أن القرآن قد أنزل في فترات متباعدة خلال ثلاثة وعشرين عاما مدة نزول الوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
ونؤمن إيمانا جازما أن ترتيب الآيات في السور كان بأمر من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكتبة الوحي ، ولم يكن لأحد رأي واجتهاد في ذلك .
هامش
( 1 ) انظر : التعليقات على تفسير جامع البيان : 13 و 14 ، ط . دار نشر الكتب الإسلامية ، الباكستان ، الطبعة الثانية 1397 ه / 1977 م . وهو منقول بنصه عن فتح القدير للشوكاني ، ج 1 ، ص 72 ، 73 .