هو تحريفها عن مسارها وظهورها في صور مشوهة من الانحرافات العقدية مما سبب انحطاطا في المستوى الخلقي للبشر ومسخا للملكات والعواطف النبيلة التي ترقيها وتسمو بها عقيدة الألوهية الحقة . فليست القضية إذن بين إنسان يعبد أو لا يعبد - أو يقر بإله أو لا يقر - فالجميع يعبدون بأسلوب أو بآخر .
وإنما الفارق في المعبود : هل الإنسان يعبد اللّه سبحانه وتعالى المستحق للعبادة فيوحده ولا يتخذ معه ندا ولا شريكا ، أو أن الإنسان يعبد غير اللّه من الآلهة التي لا واقع لها في الحقيقة ، إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم .
فهنا حالتان :
حالة الهدى : فيعبد الناس اللّه وحده بلا شريك في مراحل البشرية جميعها .
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
[ النحل : 36 ] .
وحالة الضلالة : وتختلف فيها المعبودات من دون اللّه وتختلف باختلاف الزمان والمكان . لم تعد قضية الألوهية - من حيث إثبات الخالق - من النظريات التي يقام عليها برهان فإن الفطرة الإنسانية السليمة قد شهدت - بضرورة فطرتها ، وبديهة فكرتها - بصانع قادر حكيم عليم
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ
[ الزخرف / 9 ] وإن هم غفلوا عن هذه الفطرة في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليها في حالة الضراء
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ لقمان / 32 ] .
يقول الشهرستاني في كتابه « نهاية الإقدام في علم الكلام » « 1 » تعقيبا على إقرار الفطرة بوجود الخالق : ( ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك ) .
* * *
هامش
( 1 ) في ص 124 .