كالأمثال السائرة الخفيفة على اللسان الغزيرة في الجنان ، فلو عوّل في تعليمها على كلام طويل لضاعت في مطاويه ، ولما تمكّنت الأذهان من استيعابه من بين جزئيّات الأحكام والهدايات الأخرى .
لذا نقول : يجب التفريق بين أمرين :
الأول : ما وقع به التحدي ، فالتحدي لم يقع على أقل من سورة ، والسورة تطلق على القصيرة والطويلة ، والسورة بشخصيتها المستقلة هي المقصودة في آيات التحدي والإتيان بمثلها خارج عن طوق الإنس والجن وإن قصرت كسورة الكوثر .
الأمر الثاني : القدر الدال على كون القرآن كلام اللّه ، أي معرفة مصدر القرآن وكونه وحيا منزلا من اللّه وهذا لا يتقيد فيه بمقدار معين ، فقد يدرك ذلك من خلال سورة أو من خلال آية واحدة أو بعض آية أو كلمة واحدة ، فورود بعض الكلمات في سياق الحقائق الكونية أو الحقائق العلمية في النفس الإنسانية يدل على أن ذلك لا يدخل في نطاق العلم البشري كما في قوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً
( 26 ) [ المرسلات :
25 ، 26 ] وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) [ الفرقان : 45 ، 46 ] ، وقوله تعالى :
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[ الزمر : 6 ] .
فهذه الحقائق لم تكن في مقدور أحد من البشر أن يحيط بها علما عند نزول القرآن الكريم ، فدل ذلك على أن الذي يعلم السر في السماوات والأرض هو منزل القرآن الكريم
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 ) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
( 6 ) [ الفرقان : 4 - 6 ] .