إنهم فهموا أن الإنزال ليس بوساطة ملك ، وفسروا الإنزال تفسيرا حرفيا ، ولهذا قالوا ما قالوه ولو أنهم فهموا الآية على حقيقتها ما وقعوا فيما وقعوا فيه ونحب أن نزيد الأمر بيانا ، وهو أن كثيرا من علماء المسلمين يفسر الإنزال بالإعلام ، فمعنى إنزال اللّه القرآن إعلام نبيه به ، وهذا التفسير لا نرى ضرورة لشرحه وتفصيله .
وعلى كل حال فإن التعبير ب ( الإنزال ) لم يكن للقرآن وحده ، وإنما كان عاما للكتب السماوية جميعها ، قال تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ
[ المائدة : 44 ] ، وقال سبحانه :
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
[ المائدة : 47 ] ، فالقرآن إذن لم يكن بدعا من الكتب السماوية ، ولكن الذي يوقع في مثل هذه الأخطاء سوء الفهم للنص المفسّر . هذا هو الأمر الأول .
أما الأمر الثاني : فهو ما جاء في الموسوعة من أنّ الطريقة الثالثة كانت بوساطة الملك دون أن يذكر أن اسمه جبريل ، وهذا أمر يستدعي الاستغراب والعجب ، فهناك آيات كثيرة دلت على أن الملك هو جبريل عليه السلام ، سواء أكان ذلك باسمه أم بوصفه ولقد مرت معنا من قبل الآية الكريمة :
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ البقرة : 97 ] ، فهذه الآية ذكر فيها جبريل صراحة كما رأينا ، وهناك آيات كثيرة ذكر فيها بوصفه :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[ الشعراء : 193 ] ،
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ
[ النحل : 102 ] ، والروح هو جبريل لا يختلف في ذلك اثنان ، وهذه القضية كانت ناتجة عن سوء فهم ، كما في الأمر الأول ، وعن غفلة ، كما في الأمر الثاني .
ونرجو أن يكون بياننا كافيا شافيا ، والحق أحقّ أن يتبع .
* * *