أصل المسألة :
يبدو أن أصل المسألة يرجع إلى صعوبة التوفيق بين عمل الخالق ، وطبيعة المخلوق ، فإذا كان اللّه هو المهيمن على كل شيء ، والخالق لكل شيء ، والعليم بكل شيء علما أزليا قديما ، فمعنى ذلك أنه يعلم ما سيفعله كل واحد من البشر حتى قبل أن يخلقهم ، وعلى هذا الأساس فالبشر لا يعملون إلا ما قدّر لهم أن يعملوه ، فدائرة أعمالهم وتصرفاتهم لا تخرج بحال ما عن الدائرة الأزلية المتعلق بها علم اللّه تبارك وتعالى ، وإذن فليس للإنسان حريّة فيما يفعل أو يترك ، وفيما يحب أو يكره ، وفي إيمان أو كفر .
كيف عالج القرآن هذه المسألة :
هذا هو أصل هذه المسألة المعقدة بإيجاز ، ولكن كيف عالجها القرآن ؟
إن المتدبر لآي الكتاب الكريم منذ نزول أول آية ، يدرك أن القرآن فتح الباب على مصراعيه لهذا الإنسان ، ليدخل إلى ما يمكنه للرقي إلى درجات الخير ، وامتنّ عليه بما منحه ما لم يمنح مخلوقا آخر من قدرة على النظر ، وذلك بما وهبه من آلات الفكر ، وهذا يظهر جليا في أكثر آي القرآن
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأعراف : 185 ] ،
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا
[ يوسف : 109 ] ،
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
( 17 ) [ الغاشية : 17 ] ،
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
[ الروم : 8 ] ،
* قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
[ سبأ : 46 ] ، والآيات في ذلك كثيرة جدا لا يمكننا إحصاؤها وحصرها ولا شك أن الحكمة من هذا النظر في هذه الآيات جميعها ليس إلّا اختيار الطريق الأمثل .
والحق أن القرآن منح الحرية كل الحرية لهؤلاء الذين يستمعون إليه ، ولم يمنعهم شيئا من هذه الحرية ، كما أنه لم يمنحهم بعضها فحسب كما في الموسوعة
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
[ الإسراء : 107 ] ،
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ