له القرآن قد تتطلب بعض التغيرات العرضية لا الجوهرية ، فأسلوب القصة بالطبع لا ينبغي أن يكون كأسلوب آيات التشريع ، وأسلوب الوعد يختلف عن أسلوب الوعيد ، ولكن هذا الاختلاف لا يتطرق إلى الجودة والسمو ، ولقد بينت ذلك في القضية الأولى من هذا الفصل ، ولا أرى ضرورة لإعادة مثل هذا القول .
أما الأمثلة التي تضرب في القرآن فإنا نجدها مبثوثة في السور المكية والمدنية على السواء « 1 » .
[ الأمثال في القرآن ]
والأمثال في القرآن كثيرة ، ومع أنها من وسائل الإيضاح والإقناع إلا أنها مع ذلك ليست قضية شكلية ، بل نجد أن مضامين هذه الأمثال فيها من الحقائق العلمية الكونية الكثير الكثير ، كما لها كذلك من الإقناع والتأثير ، إنها بحق تقنع العقل وتمتع العاطفة على السواء .
أما قصة البحارة هذه فإنما هي أمثلة منتزعة من واقع البشر ، وليست قصة تعني حادثة معينة أو أشخاصا معينين ، كقصص الأنبياء - عليهم السلام - بل هي أمثلة جيء بها لبيان طبيعة البشر والدلالة على ضعفهم وتقلب أحوالهم هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لبيان الفطرة التي فطر عليها هذا الإنسان ، وهي فطرة التدين التي انحرف عنها كثيرون بحكم عوامل متعددة ترجع إلى الهوى ،
هامش
( 1 ) انظر قوله تعالى :وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ . . .[ الكهف : 45 ] ،إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ . . .[ يونس : 24 ] ،وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ( 57 ) [ الأعراف : 57 ] ،مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ[ إبراهيم : 18 ] ،مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ . . .[ العنكبوت : 41 ] . وهذه سور مكية . وانظر :* اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ . . .[ النور : 35 ] ،وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ . . .[ النور : 39 - 40 ] ،وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ[ البقرة : 171 ] ،كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ . . .[ البقرة : 261 ] . وهذه سور مدنية .